محمد هادي معرفة
361
شبهات وردود حول القرآن الكريم
الحدوث وعبر البقاء جميعا . « 1 » وعليه أيضا نزلت الآية : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ . « 2 » أي يمكنه تعالى أن يزيل شيئا عمّا قدّر فيه ويبدّله إلى غيره ، حسب علمه تعالى في الأزل بالمصالح والمفاسد المقتضية في أوقاتها وظروفها الخاصّة . فهو تعالى كلّ يوم في شأن . « 3 » ومثلها قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . « 4 » وذلك أنّهم لفرط جهلهم أنكروا إمكان التبديل في الخلق والتدبير - سواء في التشريع والتكوين - حسبوا من التغييرات الحاصلة في طول التشريع أنّها افتراء على اللّه . الأمر الذي يدلّ على غباوتهم وجهلهم بمقام حكمته تعالى الماضية في الخلق والتدبير على طول خطّ الوجود . وهذا المعنى هو المستفاد من عقيدتهم بأنّه تعالى بعد ما فرغ من خلق السماوات والأرض خلال الستة الأيّام استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت . جاء في سفر التكوين : « فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها ، وفرغ اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمل ، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل » . « 5 » وقد يقال : إنّ هذا المعنى لا ينسجم مع ذيل الآية يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ، حيث يستدعي هذا التعبير أن يكون النظر في صدر الآية إلى أمر البخل والتقتير في الرزق . « 6 » غير أنّ ذكر الإنفاق كيف يشاء - في ذيل الآية - : جاء بيانا لأحد مصاديق بسط يده تعالى وشمول قدرته ، وليس ناظرا إلى الانحصار فيه . ولعلّ ذكر ذلك كان بسبب ما واجه المسلمين في إبّان أمرهم من الضيق وعدم التوفّر في تهيئة التجهيز الكافي والحصول على الإمكانات اللازمة ، فأخذت اليهود في الطعن عليهم بأنّ ذلك هو المقدّر لهم ، وليس بوسعه تعالى أن يفسح لهم المجال أو يوسع عليهم في المعاش .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 1 ، ص 253 - 254 . ( 2 ) الرعد 13 : 39 . ( 3 ) الرحمن 55 : 29 . ( 4 ) النحل 16 : 101 . ( 5 ) سفر التكوين ، الإصحاح 2 / 1 . ( 6 ) راجع : تفسير الميزان ، ج 6 ، ص 31 .