محمد هادي معرفة

308

شبهات وردود حول القرآن الكريم

وقد روي عن ابن عبّاس قال : أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وأبو أنس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف - من وجوه يهود المدينة - فقالوا : كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا ولا ترى عزيرا ابنا للّه وقد أعاد علينا التوراة بعد الاندراس وأحيا شريعتنا بعد الانطماس ؟ ! « 1 » ومع ذلك : فإنّ القرآن ينسب إليهم هذا القول تعنّتا وجدلا منهم ، وليس على حقيقته : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ . « 2 » حيث نسبوا إلى اللّه البنات وزعموا أنّ الملائكة إناثا ، قولا بلا هوادة ، وعقيدة من غير مستند . قال محمّد عبده : وقد جرى أسلوب القرآن على أن ينسب إلى أمّة أو جماعة أقوالا وأفعالا مستندة إليهم في جملتهم ، وهي ممّا صدر عن بعضهم . والمراد من هذا الأسلوب تقرير أنّ الامّة تعدّ متكافلة في شؤونها العامّة ، وأنّ ما يفعله بعض الفرق أو الجماعات أو الزعماء يكون له تأثير في جملتها ، وأنّ المنكر الذي يفعله بعضهم إذا لم ينكر عليه جمهورهم ويزيلوه يؤاخذون به كلّهم . قال تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . « 3 » وهذا من سنن الاجتماع البشري أنّ المصائب والرزايا التي تحلّ بالأمم بفشوّ المفاسد والرذائل فيها لا تختصّ الذين تلبّسوا بتلك المفاسد وحدهم ، كما وأنّ الأوبئة التي تحدث بكثرة الأقذار في الشعب وغير ذلك من الإسراف في الشهوات تكون عامّة أيضا . « 4 » قال الراوندي : وسألوا عن قوله تعالى : فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . « 5 » قالوا : كيف جمع اللّه بينه وبين قوله : لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ؟ « 6 » وهذا خلاف الأوّل ، لأنّه قال أوّلا : « نبذناه » مطلقا ، ثمّ قال : « لولا أن تداركه لنبذ بالعراء » فجعله شرطا !

--> ( 1 ) جاء ذلك في حديثين عن ابن عبّاس ، نقلهما الطبري في التفسير ، ج 10 ، ص 78 . ( 2 ) التوبة 9 : 30 . ( 3 ) الأنفال 8 : 25 . ( 4 ) تفسير المنار ، ج 10 ، ص 326 - 327 . ( 5 ) الصافّات 37 : 145 . ( 6 ) القلم 68 : 49 .