محمد هادي معرفة
300
شبهات وردود حول القرآن الكريم
أنّ أكثر وعوده تعالى التي جاءت في القرآن كانت بصورة خلق الرجاء في نفوس الموعود لهم ، مبدوّة بلفظة « لعلّ » و « عسى » ونحوهما ، ممّا يجعل الإنجاز معلّقا على مشيئته واقتضاء حكمته وليس حتما عليه في ظاهر الوعد وإن كان اللّه يفي بما وعد فضلا ومنّة ولا يخلف الميعاد . يقول تعالى مخاطبا لنبيّه : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . « 1 » فقد تلقّاه النبيّ وعدا حتما وإن كان بصورة التعليق على المشيئة . وقال : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً . « 2 » فهو وعد بمقام الشفاعة ، ولسوف يعطيه ربّه فيرضى . « 3 » وإن كان الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء . وقال بشأن المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا : فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً . « 4 » فأولئك معفوّ عنهم لا محالة ، ومن ثمّ جاء التعقيب بأنّه تعالى عفوّ غفور . غير أنّ الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء دون الحتم الإلزامي . وقال : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . « 5 » لا شكّ أنّه تعالى سيرحم أولئك الذين اتّبعوا الكتاب واتّقوا ، لكنّ الوعد وقع بغير صورة الحتم عليه تعالى . والآيات من هذا القبيل كثيرة . والتعليق على المشيئة بشأن خلود الأشقياء في النار والسعداء في نعيم الجنان من هذا القبيل ، حتّى لا يكون لزاما عليه تعالى فيما أوعد أو وعد ، ومن ثمّ عقّب المشيئة بشأن الأشقياء بقوله : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ . يعني : وإن كان الإيعاد بالخلود وقع بشأنهم حسب
--> ( 1 ) الأعلى 87 : 6 و 7 . ( 2 ) الإسراء 17 : 79 . ( 3 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى الضحى 93 : 5 . ( 4 ) النساء 4 : 99 . ( 5 ) الأنعام 6 : 155 .