محمد هادي معرفة

282

شبهات وردود حول القرآن الكريم

غير أنّ الخلق بمعنى الإبداع وإيجاد الصورة بالتركيب الصناعي أمر يعمّ . فقد حكى اللّه تعالى عن المسيح : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ . « 1 » وقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي . « 2 » والخلق - في كلام العرب - ابتداع الشيء ، وإنّما يخصّه تعالى إذا كان إنشاء لا على مثال سبقه . وكلّ شيء خلقه اللّه فهو مبتدؤه على غير مثال سبق إليه . أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ . « 3 » قال ابن الأنباري : الخلق في كلام العرب على وجهين : أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه ، والآخر التقدير . وقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 4 » معناه : أحسن المقدّرين . وكذلك قوله تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً « 5 » أي تقدّرون كذبا . قال ابن سيده : خلق اللّه الشيء يخلقه خلقا : أحدثه بعد أن لم يكن . قال ابن منظور : والخلق التقدير . وخلق الأديم يخلقه خلقا : قدّره لما يريد قبل القطع ، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفّا . قال زهير بن أبي أسلمي يمدح رجلا : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثمّ لا يفري يعني : أنت إذا قدّرت أمرا قطعته وأمضيته ، وغيرك يقدّر وليس بماضي العزم . « 6 » عبس وتولّى وممّا جعله أهل التبشير المسيحي ذريعة للحطّ من كرامة القرآن - بزعم وجود التناقض فيه - ما عاتب اللّه به نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بشأن عبوسه في وجه ابن أمّ مكتوم المكفوف ، جاء ليتعلّم منه ملحّا على مسألته ، وهو لا يعلم أنّه منشغل بالكلام مع شرفاء قريش . فساء النبيّ إلحاحه ذلك فأعرض بوجهه عنه كالحا متكشّرا . الأمر الذي يتنافى وخلقه العظيم الذي وصفه اللّه به في وقت مبكّر ! جاء قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ في سورة القلم ، ثانية السور النازلة بمكة .

--> ( 1 ) آل عمران 3 : 49 . ( 2 ) المائدة 5 : 110 . ( 3 ) الأعراف 7 : 54 . ( 4 ) المؤمنون 23 : 14 . ( 5 ) العنكبوت 29 : 17 . ( 6 ) لسان العرب ، مادّة « خلق » .