محمد هادي معرفة
280
شبهات وردود حول القرآن الكريم
المؤمن والكافر . وبدليل ما بعد الآية : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا . « 1 » حيث قوله : وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها . أي الجميع يردونها فيخرج المؤمن ويترك الظالم بحاله . الأمر الذي يتنافى وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها . « 2 » فكيف الوئام ؟ ! وقد ذكر المفسّرون هنا وجوها ، أوجهها - ما عن ابن مسعود والحسن وقتادة واختاره أبو مسلم - أنّه بمعنى الإشراف عليها ليشهدوا ذلك العرض الرهيب . فالمؤمنون يجوزونها ويدنون منها ويمرّون بها وهي تتأجّج وتتميّز وتتلمّظ ، ويرون العتاة ينزعون فيقذفون فيها . قال تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ لن يكونوا لوحدهم بل وَالشَّياطِينَ الذين هم قادتهم ، وبينهما صلة التابع والمتبوع والقائد والمقود . ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا جاثين على ركبهم في ذلّ وفزع . ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا . فلا يؤخذ أحد جزافا من تلك الجموع المتكاثفة . ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ليكونوا طليعة المقذوفين فيها . وبعد ، فيأتي دور المؤمنين الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى ، فيأتي زرافات منهم ، يمرّون بهذا المشهد الرهيب ، فيزحزحون عنها وفي منجاة منها يجوزونها ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي نجعلهم في منجاة منها وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا « 3 » أي ندعهم جاثمين على ركبهم على شفا جرف هار لينهار بهم في نار جهنّم . فقد كان المراد بالورود هنا هو الإشراف عليها ، كما في قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ . « 4 » وقوله : فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ . « 5 » إذ ليس المراد من الورود هنا الدخول ، بل الدنوّ والاقتراب . قال الراغب : الورود ، أصله قصد الماء ، ثمّ يستعمل في غيره . « 6 » قوله : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أي قصده واقترب منه . والوارد : الذي
--> ( 1 ) مريم 19 : 72 . ( 2 ) الأنبياء 21 : 101 و 102 . ( 3 ) مريم 19 : 68 - 72 . ( 4 ) القصص 28 : 23 . ( 5 ) يوسف 12 : 19 . ( 6 ) المفردات ، ص 519 .