محمد هادي معرفة
233
شبهات وردود حول القرآن الكريم
وفي ذلك نوع من الاعتراف بحقيقته إجماليا . وربّما علّلوه بتعاليل تبدو طبيعية ترجع إلى نفس العائن . قالوا : هي تشعشعات تموّجية تنبعث من عين الرائي الذي أعجبه شيء على أثر انفعاله النفسي الخاصّ والأكثر إذا كان عن حسد خبيث ، وربما من غير شعور بهذا الانفعال النفسي المفاجئ في غالب الناس . وهي خاصّية غريبة قد توجد شديدة في البعض وخفيفة في الآخرين . وهذه التشعشعات السامّة تشبه التيّارات الكهربائية تؤثّر في المتكهرب بها تأثيرا بالفعل ، الأمر الذي يكون طبيعيا وليس شيئا خارقا ، وإن كان لم يعلم كنهها ولا عرفت حدودها ومشخّصاتها ولا إمكان مقابلتها مقابلة علمية فيما سوى الدعاء والصدقة والتوكّل على اللّه تعالى . قال الشيخ ابن سينا : إنّ لبعض النفوس تأثيرا في الخارج من بدنه بتعلّق روحاني كتعلّقه ببدنه . « 1 » وقال أبو عثمان الجاحظ : لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة متّصلة به وتؤثّر فيه ، فيكون هذا المعنى خاصّية في بعض الأعين كالخواصّ للأشياء . « 2 » قال - في كتاب الحيوان بصدد التحرّز من أعين ذوي الشره والحرص ونفوسهم - : كان علماء الفرس والهند وأطبّاء اليونان ودهاة العرب وأهل التجربة من نازلة الأمصار وحذّاق المتكلّمين يكرهون الأكل بين يدي السباع ، يخافون نفوسها وعيونها ، للّذي فيها من الشره والحرص والطلب والكلب ، لما يتحلّل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء ، وينفصل من عيونها من الأمور المفسدة ، ما إذا خالطت طبائع الإنسان نقضته . ولذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب ( مطردة الذباب ) والأشربة على رؤوسهم وهم يأكلون ، مخافة النفس والعين . وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا ، وكانوا يقولون في السنّور
--> ( 1 ) في النمط الأخير من كتاب الإشارات ( هامش مجمع البيان ، ج 5 ، ص 249 ) . ( 2 ) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 249 ، تفسير سورة يوسف . ولعلّه أخذه من الشريف الرضي في كتابه المجازات النبوية ، ص 369 ، بتغيير يسير سوف ننقله .