محمد هادي معرفة
224
شبهات وردود حول القرآن الكريم
هذين الملكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس ، كانا يقولان لكلّ من يأتيهما طالبا منهما معرفة طريق التخلّص من براثن الشياطين السحرة : لا تكفر باستخدام تلك الأساليب الماكرة . وقد كان بعض الناس يصرّ على تعلّم السحر لغرض خبيث على الرغم من تحذيره وتبصيره ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . وهنا يبادر القرآن فيقرّر كلّية التصوّر الإسلامي الأساسية ، وهي أنّه لا يقع شيء في هذا الوجود إلّا بإذن اللّه ورعاية مصلحته وحكمته . فبإذن اللّه تفعل الأسباب فعلها وتنشأ آثارها وتحقّق نتائجها وإن كانت عاقبة السوء تعود على الزائغين الذين ينحرفون عن الطريق السوي والصراط المستقيم الذي رسمه لهم ربّ العالمين . ثمّ يقرّر القرآن حقيقة ما يتعلّمونه بغية إيقاع الشرّ بالآخرين ، إنّه شرّ عليهم وليس خيرا لهم وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . وربّما يكفي أن يكون هذا الشرّ هو الكفر والخسران في الآخرة وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . فمن تعلّم شرّا وحاول الإضرار به يعلم أن لا نصيب له في العاقبة ، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كلّ رصيد له في الآخرة سوى العقاب . فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم وأضاعوا خيرات كانت لهم في عقبى الدار . وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لو كانوا يفقهون ويعون واقع الأمر . النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ « 1 » النفث ، قذف القليل من الريق شبيه بالنفخ ، وهو أقلّ من التفل . ونفث الراقي أو الساحر أن ينفث بريقه في عقد يعقدها بعد كلّ زمزمة يتزمزم بها ليسحر بها فيما زعموا . والمراد به هنا هي النميمة ينفثها النمّامون في العقد أي في الروابط الودّية ليبدّدوا شمل الألفة بين المتحابّين : المرء وزوجته ، الوالد وولده ، الأخوين ، المتشاركين في صنعة أو تجارة أو زراعة وغير ذلك ممّا يرتبط وأواصر الودّ بين شخصين أو أكثر . والعرب تسمّي
--> ( 1 ) الفلق 113 : 4 .