محمد هادي معرفة
207
شبهات وردود حول القرآن الكريم
قال الرازي : أما المعتزلة فقد أنكروا السحر فيما عدا التمويه والشعوذة ، ولعلّهم كفّروا معتقد تأثير الكواكب وتسخيرها أو تسخير الجنّ وما شاكل ممّا ينافي التوحيد في الربوبية أو يخالف حكمته تعالى في الخلق والتدبير . قال : وأمّا أهل السنّة فقد جوّزوا ذلك ، بأن يطير إنسان في الهواء بلا سبب طبيعي أو يحوّل إنسانا إلى حمار أو حمارا إلى إنسان ، الأمر الذي لا يتنافى وربوبيّته تعالى حيث جرت سنّته على إقدار الساحر في تأثير سحره عندما يقرأ رقى أو يزمزم وردا . « 1 » واستندوا في ذلك إلى روايات واهية تزعم أنّ اليهود سحرت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فكان يتخيّل أنّه فعل شيئا ولم يفعله ، وما إلى ذلك من أكاذيب فاضحة ، زيّفناها مسبقا . وأفظع من الكلّ تعاليق ابن المنير الإسكندري على الكشّاف بهذا الشأن ، منها قوله - عند كلام الزمخشري سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أروها بالحيل والشعوذة وخيّلوا إليها ما الحقيقة بخلافه - : هذا الإنكار معتقد المعتزلة ، ومعتقد أهل السنّة الإقرار بوجود السحر ، ولا يمنع عند أهل السنّة أن يرقى الساحر في الهواء ويستدقّ فيتولّج في الكوّة الضيّقة . ولا يمنع أن يفعل اللّه عند إرشاد الساحر ما يستأثر الاقتدار عليه . وذلك واقع بقدرة اللّه عند إرشاد الساحر . هذا هو الحقّ والمعتقد الصدق . قال : وإنّما أجريت هذا الفصل لأنّ كلام الزمخشري لا يخلو من رمز إلى إنكاره ، إلّا أنّ هذا النصّ القاطع بوقوعه يلجمه عن التصريح بالدفاع وكشف القناع ، ولا يدعه التصميم على اعتقاد المعتزلة من التنفيس عمّا في نفسه ، فيسمّيه شعوذة وحيلة . وبالقطع يعلم أنّ الشعوذة لا تعمل في يد ابن عمر حتّى بكوعها ولا تؤثّر في سيّد البشر حتّى يخيّل إليه أنّه يأتي نساءه وهو لا يأتيهنّ . وقد ورد ذلك وأمثاله مستفيضا واقعا . والعمدة أنّ كلّ واقع فبقدرة اللّه تعالى . « 2 » وهذا الذي ذكره ابن المنير ونسبه إلى أهل السنّة إنّما هو مذهب الأشعري البائد ، أمّا علماء أهل السنّة اليوم فقد وأكبوا إخوانهم من أهل التحقيق في النظر ، ولم يعيروا لما يذكره أهل السفاسف اهتماما ولم يعتبروا من مزاعمهم في السحر وزنا سوى تمويه مجرّد
--> ( 1 ) المصدر : ص 213 . ( 2 ) هامش الكشّاف ، ج 2 ، ص 140 .