محمد هادي معرفة
204
شبهات وردود حول القرآن الكريم
فلمّا أثّر تسخين الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدّا ، فالناس تخيّلوا أنّها تتحرّك باختيارها وقدرتها . « 1 » قال الإمام الجصّاص : ومتى اطلق السحر فهو اسم لكلّ أمر مموّه باطل لا حقيقة له ولا ثبات . قال اللّه تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ يعني موّهوا عليهم حتّى ظنّوا أنّ حبالهم وعصيّهم تسعى . وقال : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فأخبر أنّ ما ظنّوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنّما كان تخييلا . وقد قيل : إنّها كانت عصيّا مجوّفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم « 2 » محشوّة زئبقا وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا وجعلوا آزاجا « 3 » وملئوها نارا . فلمّا طرحت عليه وحمي الزئبق حرّكها ، لأنّ من شأن الزئبق إذا أصابته [ حرارة ] النار أنّ يطير . فأخبر اللّه أنّ ذلك كان مموّها على غير حقيقة . والعرب تقول لضرب من الحليّ مسحور ، أي مموّه على من رآه مسحور به عينه . « 4 » وهكذا ذهب الإمام محمّد عبده في تفسيره قال - بعد نقل كلام الجصّاص - : فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية ، إذا صحّ الخبر . ويحتمل أن يكون بحيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثّرت في الأعين فجعلتها تبصر ذلك . أو بجعل العصيّ والحبال على صورة الحيّات وتحريكها . بمحرّكات خفيّة سريعة لا تدركها أبصار الناظرين . وكانت هذه الأعمال من الصناعات وتسمّى السيمياء « 5 » وهي لغة يونانية تعني الشعوذة والنيرنج . « 6 » هي عبارة عن مزاولة أعمال خفيّة سريعة تتراءى للناظرين أشكالا على غير واقعها ، وربّما باستعمال موادّ كيمياوية تخفى على الناظرين . « 7 » وهو متعارف حتّى اليوم لغاية إلهاء الناس في مجالس اللهو والسرور ومناسبات الأعياد والأفراح .
--> ( 1 ) التفسير الكبير ، ج 14 ، ص 203 . ( 2 ) جمع أديم وهي الجلدة المدبوغة . ( 3 ) جمع أزج وهو البيت يبنى طولا يشبه الاتن : مواقد نار الحمّام . ( 4 ) أحكام القرآن للجصّاص ، ج 1 ، ص 42 - 43 . ( 5 ) تفسير المنار ، ج 9 ، ص 67 . ( 6 ) معرّب نيرنگ . الشعوذة معرّب شعبدة ، كلاهما بمعنى ، وهو نوع من الحيل الخفيّة فيها مهارة وسرعة عمل تخطف من أبصار الناظرين وتؤثّر في تخيّلهم . ( 7 ) قال العلامة الطباطبائي : وهو ( السيميا ) العلم الباحث عن تمزيج القوى الإرادية مع القوى الخاصّة المادّية للحصول على غرائب التصرف في الأمور الطبيعية . ومنه التّصرف في الخيال المسمّى بسحر العيون ، وهذا الفنّ من أصدق مصاديق السحر . الميزان ، ج 1 ، ص 246 .