محمد هادي معرفة
173
شبهات وردود حول القرآن الكريم
تطليقها ، فكان النبيّ يجيبه : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . « 1 » ولعلّه أيضا كان يشيء إليها في معاشرته معها غير المتناسبة لشأنها ، الأمر الذي يشي إليه الأمر بتقوى اللّه . لكنّ زيدا لم يطق الصبر معها حيث بعد الشقّة بين خلقهما فطلّقها . وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعلم بهذه العاقبة ، وأنّ وراءها حكمة أخرى يجب تنفيذها لإبطال عادة جاهلية أخرى كان عليها العرب . كانوا يدينون بشأن الأدعياء أنّ لهم اتّصالا بالأنساب من إعطائهم جميع حقوق الأبناء وإجراء أحكامهم عليهم حتّى في الميراث وحرمة النسب . أمّا الإسلام فلم يكن يرى للمتبنّي واللصيق سوى حقّ المولى والأخ في الدين لا أكثر وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ . « 2 » فهنا يأتي دور إبطال هذه العادة الجاهلية إبطالا عمليّا ، والمترشّح لهذه التفدية أو التضحية هو نفس النبيّ الكريم عليه وعلى آله أفضل صلوات المصلّين ، إذ لم يكن من العرب من يستطيع أن يقوم بهذه التضحية وينقض بها تقاليد الأجيال السالفة ! سوى محمد نفسه الذي كان على قوّة عزيمة وعميق إدراك لحكمة اللّه . هذا ما كان النبيّ يعرفه بقوّة فطنته ، وأن سيئول إلى ذلك ، ولكن كان كلّما يراجعه زيد بشأن تطليق زينب يوصيه بالإمساك بزوجه ، وهو يدري في قرارة نفسه أنّه يطلّقها لا محالة ، وأن سوف يؤمر بالتزوّج منها ، وكان يخفي ذلك في نفسه وما كان يبديه وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي سوف يبدو أنّ وراء هذه التطليقة حكمة أخرى يجب إجراؤها . وَتَخْشَى النَّاسَ في إبداء ما يكنّه صدرك من معرفة حكمة اللّه . وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا . « 3 »
--> ( 1 ) الأحزاب 33 : 37 . ( 2 ) الأحزاب 33 : 4 و 5 . ( 3 ) الأحزاب 33 : 37 .