محمد هادي معرفة

150

شبهات وردود حول القرآن الكريم

كانت المرأة في العصر الجاهلي في مستوى هابط جدّا ، وجاء الإسلام ليأخذ بيدها ويرفعها إلى حيث مستواها الإنساني الرفيع ، ولكن هذا التحوّل الجذري بشأنها هل أمكن حصوله بصورة فجائية وبلا تمهيد مقدّمات ؟ أم كان بحاجة إلى مهل وبصورة تدريجية لقلب تلك الغلظة المتوهّجة إلى رقّة ورأفة هادئة ؟ الأمر الذي يستدعي المسايرة مع القوم بعض الشيء في هذا الطريق الوعر ليمكن إيقافهم أو تمهيد أسباب هذا الإيقاف فيمكن إرجاعهم إلى حيث فطرتهم الإنسانية الأصيلة ! وهكذا جارى الإسلام العرب في بادئ الأمر في قسم من عاداتهم - كانت متحكّمة عليهم تحكّما وثيقا - وفي أثناء هذه المجاراة والمسايرة ، أخذ ينفث في روعهم روح الملاءمة وإبعاد الخشونة لتلين قلوبهم ويهتدوا إلى وجه الصواب ، فيرتدعوا بأنفسهم شيئا فشيئا عن الأخطاء التي كانت تجذبهم بقوّة ذلك العهد . وهذا النحو من سياسة التدبير نرى الإسلام قد اتّخذها بشأن لفيف من عادات جاهلية لم تكن متحكّمة على العرب وحدهم ، بل على سائر الأمم على وجه العموم . ومن ثمّ كان قلع جذورها بحاجة إلى مهلة وفرصة زمنية ، قصيرة أو طويلة ، وتمهيد مقدّمات أصولية تمهّد هذا السبيل . ويمكننا التمثيل لذلك بمسألة الرقّية التي جاراها الإسلام ، حيث تحكّمها على العالم كلّه يوم ذاك ، وكانت سلعة تجارية ضخمة ، لا يمكن مجابهتها بلا تمهيد مقدّمات ، فقد قام الإسلام في وجهها ، لكن لا بشكل علنيّ صريح ، ولكن أعلن مخالفته لمنشإ الاسترقاق الذي كان عليه جمهور الأمم ذلك العصر ، وسدّ طريقه - شرعيّا - ما عدا حالة الاستيلاء على المحاربين في ميدان القتال . الأمر الذي كان يخصّ الرجال المحاربين ضدّ الإسلام دون غيرهم ، ولا النساء ولا الأطفال والشيوخ ، ورفض رفضا باتّا إمكان الاسترقاق بأيّ وجه كان . ثمّ إنّه مع ذلك جعل الطريق لتحرّرهم فسيحا وفي أنحاء وأشكال ، حسبما نذكره . واتخاذ مثل هذه الاجراءات لقطع جذور عادة جاهلية ساطية ، قد اصطلحنا عليه