محمد بيومي مهران

89

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ومنها ( سادسا ) أن مبلغ علمي - وأنا واحد من عامة المسلمين لم يكتب له شرف التخصص في الدراسات القرآنية - أن القاعدة الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم هي إلا يعذب اللّه قوما إلا إذا أرسل إليهم رسولا يهديهم سواء السبيل ، تصديقا لقوله تعالى : « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 1 » ، فإذا افترضنا أن نوحا - عليه السلام - كان في جنوب العراق - كما هو المتواتر ، أو الذي يميل إليه أغلب الباحثين على الأقل فكيف يعذب اللّه - وهو أعدل العادلين - المصريين أو السوريين أو سكان الجزيرة العربية ، على سبيل المثال ، بسبب كفر العراقيين بنوح وبدينه القويم بخاصة وأن القرآن الكريم يقول « مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً » « 2 » ، وهذا يعني أن الذين أغرقوا ، إنما بسبب خطيئتهم في حق نوح وكفرهم بدعوته ، بل إن القرآن الكريم ليصرح - دونما لبس أو غموض - بأنهم قد عصوا نوحا حقيقة ، يقول اللّه سبحانه وتعالى : « قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي » ، وأنهم لم يتركوا وثنيتهم الضالة المضلة إلى عبادة اللّه الواحد القهار ، فإذا كان الطوفان عاما ، فلا بد أن تكون دعوة نوح بالتالي عامة ، وهذا يتعارض مع مبادئ الإسلام الأساسية ، فضلا عن معارضته لآيات من القرآن الكريم ، ومن ثم فلا بد أن تكون الدعوة خاصة ، وأن الذين أغرقوا كانوا من الخاطئين ، أو كما يقول ابن كثير « اجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم » ، ثم هناك قوله تعالى : « وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » « 3 » ، أليس في هذه الآية الكريمة دليل على أن الكافرين ، إنما كانوا من قوم نوح فحسب ، وأن الفلك التي ستبنى إنما هي لإنقاذ المؤمنين من قومه ، وإغراق الكافرين منهم ، ثم أليس في قوله تعالى : « وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ، قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ » « 4 » دليل على أن الساخرين من نوح كانوا من قومه ، وأنهم هم أنفسهم الكافرون به ، والأمر كذلك بالنسبة إلى قوله تعالى : « قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ » « 5 » ، وقوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة الإسراء : آية 15 . ( 2 ) سورة نوح : آية 25 . ( 3 ) سورة هود : آية 36 . ( 4 ) سورة هود : آية 38 . ( 5 ) سورة المؤمنون : آية 26 .