محمد بيومي مهران
80
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وذهب رأي آخر إلى أن اللّه أمر جبريل فرفع الكعبة إلى السماء الرابعة ، وخبأ الحجر الأسود بجبل أبي قبيس ، فبقي فيه إلى أن بنى إبراهيم البيت فأخذه فجعله في موضعه « 1 » ، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن البيت لم يجيء في خبر صحيح عن المعصوم أنه كان مبنيا قبل أيام الخليل ، وأن الروايات التي ذهبت إلى أن آدم قد نصب عليه قبّة ، وأن الملائكة قالوا قد طفنا قبلك بهذا البيت ، وأن السفينة قد طافت به أربعين يوما ( أو أسبوعا ) ، كل هذه الأخبار مأخوذة عن بني إسرائيل « 2 » . والواقع أن هناك خلافا على وقت بناء الكعبة ، فهناك رواية تنسب بناءها إلى الملائكة قبل أن يبرأ اللّه عز وجل الأرض ، وقبل أن يخلق آدم بألفي سنة « 3 » ، وهناك رواية أخرى تنسب بناءها إلى آدم عليه السلام « 4 » ، بينما ينسب ابن قتيبة - في رواية ثالثة - بناء الكعبة إلى شيث بن آدم « 5 » ، وليس في كل هذا خبر صحيح يعول عليه وإنما اقتبسوه من مجمل الآية « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ » ، فظاهر التعبير أن القواعد كانت موجودة ، وأن كل عمل إبراهيم وإسماعيل إنما كان رفعها وليس تأسيسها ، وليس في لغة العرب ما يمنع من أن يراد برفع القواعد ابتداء بناء البيت ، على ضرب من التوسع في التعبير « 6 » . وأما الرواية الرابعة - وهي ما نميل إليه ونرجحه ، فهي رواية للطبري « 7 » - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - تقول إن إبراهيم جاء فوجد إسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم ، فقال إبراهيم : يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتا ، فقال له إسماعيل : فأطع ربك فيما أمرك ، فقال إبراهيم : قد أمرك أن تعينني عليه ، قال : إذا أفعل ، فقام معه ، فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان
--> ( 1 ) ابن الأثير : المرجع السابق ص 70 . ( 2 ) ابن كثير : البداية والنهاية ص 163 . ( 3 ) العمري : مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ج 1 ص 93 ( طبعة دار الكتب 1924 م ) . ( 4 ) نفس المرجع السابق ص 93 ، وراجع : علي حسني الخربوطلي : الكعبة على مر العصور ص 7 ، القاهرة 1967 . ( 5 ) ابن قتيبة : المعارف ص 10 ( المطبعة الحسينية ، 1934 ) . ( 6 ) أحمد حسن الباقوري : مع القرآن - القاهرة 1970 ص 47 . ( 7 ) الطبري : المرجع السابق ص 259 - 260 .