محمد بيومي مهران

21

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ « 1 » . وهكذا كانت حياة نوح عليه السلام ، حياة شاقة مريرة ، ومحنته مع قومه محنة شريدة أليمة ، فقد قام بينهم قرونا ودهورا ، بذل فيها أقصى جهده لكي يؤمن قومه باللّه تعالى ، وأن يذروا عبادة الأصنام ، وطال الزمن وهو يدعو قومه في السر والعلانية ، ويضرب لهم الأمثال ، ويوجه نظرهم إلى صنع اللّه بخلقهم أطوارا مختلفة ، وعنايته بهم في حياتهم الجنينية ، وحياتهم في الدنيا ، وخلقه السماوات والأرض ، وأن من بدأهم قادر على إعادتهم ، ذلك أن من خلق لهم الأرض ومتعهم بما خلق فيها ، قادر على إعاداتهم ومجازاتهم « 2 » . ورغم ذلك كله ، فإن نوحا عليه السلام ، لم ير من قومه إلا آذانا صماء ، وقلوبا غلفا ، وعقولا متحجرة ، لقد كانت نفوسهم أيبس من الصخر ، وأفئدتهم أقسى من الحديد ، لم ينفعهم نصح أو تذكير ، ولم يزجرهم وعيد أو تحذير ، وكلما ازداد لهم نصحا ، ازدادوا في طريق الضلال سائرين ، لا يلتفتون إلى دعوة نوح ، ولا يبالون بتحذيره وإنذاره وقد أقام بينهم تسعمائة وخمسين عاما داعيا ومذكرا وناصحا ، وسلك جميع الطرق الحكيمة لإنقاذهم ، وإبعادهم عن عبادة الأصنام والأوثان ، فلم يفلح معهم أبدا ، وكانت دعوته لهم ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، ومع ذلك لم تلن قلوبهم ، بل قابلوا الإحسان بالشدة ، ومالوا عليه بالضرب والأذى ، وهو لا يفتأ يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . روى المفسرون أن نوحا عليه السلام كان يأتي قومه فيدعوهم إلى

--> ( 1 ) سورة هود : آية 38 ، وانظر : تفسير المنار 12 / 61 - 62 ، تفسير القرطبي ص 3258 - 3259 ، تفسير الطبري 15 / 310 - 317 ، تفسير ابن كثير 2 / 688 - 669 ، تفسير النسفي 2 / 187 . ( 2 ) محمود الشرقاوي : الأنبياء في القرآن الكريم - القاهرة 1970 ص 133 - 134 .