محمد بيومي مهران
19
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
رتبة الطبقة العليا إلى رتبة من اتبعه من الطبقات السفلى ، وهذا مرجح لرد دعوته والتولي عنه ، والثالثة : عدم رؤية فضل له مع جماعته هؤلاء عليهم من قوة عصبية أو كثرة غالبة ، أو غير هذا من المزايا التي ترفع الأرذال من مقعدهم من السفلة ، فيهون على الأشراف مساواتهم في اتباعه . والرابعة : أنهم بعد الإضراب أو صرف النظر عما ذكروا من التنافي والتعارض ، يرجحون الحكم عليه وعليهم بالكذب في هذه الدعوى ، وهذا هو المرجح الأقوى لرد الدعوة ، وقد أخروه في الذكر لأنهم لو قدموه لما بقي لذكر تلك العلل الأخرى وجه ، وهي وجيهة في نظرهم لا بد لهم من بيانها ، وهذه الأخيرة طعن لهم على نوح عليه السلام أشركوه فيه مع اتباعه ، ولم يجابهوه به وحده ، ولم يجزموا به ، كما أنهم لم يجعلوه في طبقتهم من الرذالة « 1 » . وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا « 2 » ، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ « 3 » . وكان رد نوح عليه السلام على قومه ، كما جاء في القرآن الكريم : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ، وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا ، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ،
--> ( 1 ) تفسير المنار 12 / 53 ( الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1975 ) . ( 2 ) كرر القوم هذا الكلام مع نوح عليه السلام كما جاء في سورة المؤمنين ( آية 24 ) ، كما كرره فرعون مع موسى وهارون عليهما السلام ، كما جاء في الآيات 45 - 48 من نفس سورة المؤمنين . ( 3 ) سورة هود : آية 27 ، وانظر : تفسير المنار 12 / 5 - 54 ، تفسير القرطبي ص 3250 - 3252 ، تفسير ابن كثير 2 / 685 - 686 ، تفسير النسفي 2 / 185 ، تفسير الطبري 15 / 295 - 297 ( دار المعارف - القاهرة 1960 ) .