محمد بيومي مهران

165

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

مجاز في العبارة ، ومعناها تسليم جدلي ، كأن يقول : افرض أنك ترفعه ، فارني كيف ترفعه ، فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي ، خلص اللّه له ذلك ، وحمله على أن بيّن له الحقيقة فقال له : « أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى » ، فكمل الأمر وتخلص من كل شك ، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة . ويقول الإمام القرطبي : هذا ما ذكره ابن عطية ، وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، مثل هذا الشك ، فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث ، وقد أخبر اللّه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل ، فقال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ، وقد اللعين : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وإذا لم يكن له عليهم سلطنة ، فكيف يشككهم ؟ وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يترقى من علم اليقين ، فيقول : أرني كيف ، طلب مشاهدة الكيفية « 1 » . ويقول صاحب تفسير المنار : فهم بعض الناس من سؤال إبراهيم عليه السلام أنه كان قلقا مضطربا في اعتقاده بالبعث وذلك شك فيه ، وما أبلد أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى ، وقد ورد في الصحيحين « نحن أولى بالشك من إبراهيم » ، أي أننا نقطع بعدم شكه ، كما نقطع بعدم شكنا أو أشد قطعا نعم ليس في الكلام ما يشعر بالشك ، فإنه ما من أحد إلا وهو يؤمن بأمور كثيرة إيمانا يقينا ، وهو لا يعرف كيفيتها ، ويودّ لو يعرفها . . . ذلك لأن طلب المزيد من العلم ، والرغبة في إسكانه الحقائق ، والتشوق إلى الوقوف على أسرار الخليقة مما فطر اللّه عليه الإنسان ، وأكمل الناس علما وفهما أشدهم للعلم طلبا ، وللوقوف على المجهولات تشوفا ، ولن يصل أحد

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ص 1106 - 1107 .