محمد بيومي مهران

155

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الشيء المكون ، فالمراد بالذي يحيي ويميت الذي ينشئ الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها ، ويزيل الحياة بالموت ، وعبرب « الذي » الدال على المعهود المعروف صلته دون « من » التي فيها الإبهام ، وبالمضارع الدال على التجدد والاستمرار ، الإفادة أن هذا شأنه دائما ، كما هو معهود معروف لمن نظر في الأكوان نظر المفكر المستدل ، ولما رأى إبراهيم أنه لم يفهم أن مراده بالذي يحيي ويميت مصدر التكوين الذي يحيا كل حيّ بإحيائه ، ويموت بقطع إمداده بالحياة « قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » ، فهذا إيضاح لقوله الأول ، وإزالة لشبهة الخصم ، لا أنه جواب آخر ، كما فهم الجلال وغيره ، والمعنى إن ربي الذي يعطي الحياة ويسلبها بقدرته وحكمته ، هو الذي يطلع الشمس من المشرق ، أي هو المكون لهذه الكائنات بهذا النظام والسنن الحكيمة التي نشاهدها عليها ، فإن كنت تفعل كما يفعل ، فغيّر لنا نظام طلوع الشمس ، وائت بها من الجهة المقابلة للجهة التي جرت سنته تعالى بظهورها منها « 1 » . وهذا ، كما يقول الإمام النسفي ، ليس بانتقال من حجة إلى حجة ، كما زعم البعض ، لأن الحجة الأولى كانت لازمة ، ولكن لما عاند اللعين حجة الإحياء ، بتخلية واحد وقتل الآخر ، كلمة من وجه لا يعاند ، وكانوا أهل تنجيم ، وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم ، والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية ، كتحريك الماء النمل على الرحى ، إلى غير جهة حركة النمل ، فقال إن ربي يحرك الشمس قسرا على غير حركتها ، فإن كنت ربا فحركها بحركتها ، فهو أهون « 2 » ، « فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ » ، ذلك لأن التحدي قائم ، والأمر ظاهر ، ولا سبيل إلى سوء الفهم أو الجدال أو المراء ، وكان التسليم أولى والإيمان أجدر ، ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق

--> ( 1 ) تفسير المنار 11 / 39 ، وانظر : تفسير الجلالين ص 57 . ( 2 ) تفسير النسفي 1 / 130 .