محمد بيومي مهران
133
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
رَبِّي ، إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 1 » ، ومن ثم فقد اعتزل إبراهيم أهله ، وودع والده ، ثم هجره لحكمة هي حرصه على أن لا يكون في إقامته مع أبيه معنى الرضا بعصيانه وكفرانه . ويكتب اللّه ، جل جلاله ، لخليله عليه السلام ، وكذا لابن أخيه لوط ، النجاة من القوم الكافرين ، بعد أن أعدوا العدة لإحراقه قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ، وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ، وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ « 2 » . وليس في هذه الآيات الكريمة ما يشير إلى هجرة أبي إبراهيم معه ، ولو / آمن أبوه به ، ثم هاجر معه ، لكان ذلك حدثا هاما جديرا بالتنصيص عيه ، تكريما له ولإبراهيم في نفس الوقت ، ولم يكن ابن أخيه لوط أقرب إليه من أبيه ، حتى ينال وحده شرف الهجرة ، ومثوبة التوحيد « 3 » . بل إن القرآن الكريم ليشير بصراحة ووضوح إلى أن إبراهيم إنما تبرأ من أبيه ، بعد ما تبيّن له أنه عدو للّه قال تعالى : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ « 4 » ، هذا فضلا عن أن القرآن الكريم قد أمر المسلمين أن يقتدوا
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : آية 26 . ( 2 ) سورة الأنبياء : آية 68 - 71 ، وانظر : تفسير البيضاوي 2 / 76 - 77 ، تفسير القرطبي ص 4343 - 4345 ، في ظلال القرآن 4 / 2387 - 2388 ، تفسير النسفي 3 / 83 - 85 ، صفوة التفاسير 2 / 267 - 269 ، زاد المسيرة 5 / 367 - 369 ، تفسير ابن كثير 3 / 294 - 296 . ( 3 ) محمود عمارة : اليهود في الكتب المقدسة - القاهرة 1969 ص 12 - 13 . ( 4 ) سورة التوبة : آية 114 ، وانظر : تفسير الطبري 14 / 511 - 536 ، تفسير القرطبي ص 3112 - 3115 ، تفسير ابن كثير 2 / 610 - 614 ، تفسير المنار 11 / 45 - 49 ، مسند الإمام أحمد 2 / 116 ( طبعة دار المعارف ) ، صفوة التفاسير 1 / 565 - 566 ، في ظلال القرآن 3 / 1721 - 1722 .