محمد بيومي مهران
117
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وقد اعتمد أصحاب هذا الاتجاه على ما روي في التفسير بالمأثور من عبادته ، عليه السلام ، لهذه الكواكب في صغره اتباعا لقومه ، حتى أراه اللّه تعالى بعد كمال التمييز حجته على بطلان عبادتها ، والاستدلال بأفولها وتعددها وغير ذلك من صفاتها على توحيد خالقها ، وأن ذلك كله كان قبل النبوة ودعوتها ، ومنه قصة طويلة مروية عن محمد بن إسحاق فيها أن إبراهيم عليه السلام ، ولدته أمه في مغارة أخفته فيها خوفا عليه من ملكهم « نمرود بن كنعان » أن يقتله ، إذ كان قد أخبره المنجمون بأنه سيولد في قريته غلام يفارق دينهم ، ويكسر أصنامهم فشرع يذبح كل غلام ولد في الشهر الذي وصف أصحاب النجوم من السنة التي عينوا ، وفيها أن إبراهيم كان يشب في اليوم ، كما يشب غيره في شهر ، وفي الشهر كما يشب غيره في سنة ، وأنه طلب من أمه بعد خمسة عشر يوما من ولادته ، أن تخرجه من المغارة ، فأخرجته فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ، وذكر رؤيته للكواكب فالقمر فالشمس « 1 » . وكان اللّه تعالى قد خصّه بالعقل الكامل والنظرة السليمة ، ومن ثم فقد تفكر في نفسه وقال : لا بد لهذا الخلق من خالق ، وهو إله الخلق ، ثم نظر حال تفكره ، فرأى الكوكب وقد ازدهر فقال : هذا ربي على ما سبق إلى وهمه ، وذلك في حالة طفولته ، وقبل استحكام النظر في معرفة الرب سبحانه وتعالى ، وقد استدل أصحاب هذا القول على صحته بقوله : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، وهذا يدل على نوع من التحيّر ، وذلك لا يكون إلا في حالة الصغر ، وقبل البلوغ وقيام الحجة « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير المنار 11 / 464 ، وانظر : تفسير النسفي 2 / 20 ، تفسير الطبري 11 / 481 - 482 ، تفسير القرطبي ص 246 ، محمد بيومي مهران : دراسات تاريخية من القرآن الكريم ح - 1 - ص 116 - 117 ، إسرائيل ح 1 - ص 280 . ( 2 ) محمد حسني : المرجع السابق ص 40 .