محمد بيومي مهران

37

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ذلك على قدرة اللّه ، قال قتادة : فكان أول من عمل الدروع من زرد ، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح ، وفي سياق الآية العاشرة من سورة سبأ ، التي ابتدأها اللّه تعالى بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ، ثم ذكر في آخرها وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ، ما يشعر بأن اللّه تعالى قد ألان الحديد تفضلا منه وكرما ، وآية على الإعجاز من الآيات التي يمنحها اللّه لأنبيائه ، ولو أن إلانة الحديد بالنار ، كما يقع للناس جميعا ، لما ذكرها اللّه في سياق الامتنان على داود ، ولما جعلها اللّه نعمة يختصه بها ، وقد يقال إنه أول من اهتدى إلى أثر النار في إلانة الحديد ، ولم يكن ذلك معروفا قبل داود ، فكان هذا من نعم اللّه على داود أولا ، ثم أصبح من سنن الطبيعة ثانيا أو بعد ذلك ، ولكننا لا نذهب كما يقول الدكتور النجار ، لمثل هذا المذهب ما دام فضل اللّه على أنبيائه بالمعجزات الخارقة أمرا مقررا لهم ، وواجبا في حقهم « 1 » . ومن ثم يذهب العلامة سيد قطب إلى أنه في ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر ، فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلا للطرق ، إنما كان واللّه أعلم معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة ، وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلا من اللّه يذكر ، ولكننا إنما نتأثر بجو السياق وظلاله ، وهو جو معجزات ، وهي ظلال خوارق خارقة على المألوف ، ثم يقول تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ والسابغات الدروع ، روى أنها كانت تعمل قبل داود عليه السلام صفائح ، الدرع صفيحة واحدة فكانت تصلب الجسم وتثقله ، فألهم اللّه داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم ، وأمر بتضيق تداخل هذه الرقائق لتكون

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 838 - 839 ، تفسير الفخر الرازي : 25 / 245 ، تفسير النسفي : 3 / 319 - 320 ، تفسير القرطبي : 14 / 266 ، محمد الطيب النجار تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية - الرياض 1983 ص : 234 - 235 .