محمد بيومي مهران

35

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الزبور ، قال تعالى : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ « 1 » ، وقال تعالى : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ « 2 » ، ويقول المفسرون عن هذه الآية إن اللّه تعالى قد وهب داود من الصوت ما لم يهبه لأحد ، حتى أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه الزبور يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ، ويسبح بتسبيحه ، وكذا الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا ، وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : « لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود » « 3 » . ويقول الأستاذ سيد قطب ، طيب اللّه ثراه كان داود عليه السلام أوابا رجاعا إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار ، وقد آتاه اللّه من فضله مع النبوة والملك ، قلبا ذاكرا ، وصوتا رخيما يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه ، وبلغ من قوة استغراقه في الذكرى ، ومن حسن حظه في الترتيل ، أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون ، وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها ، وتمجيدها له وعبادتها ، فإذا الجبال تسبح معه ، وإذا الطير مجموعة عليه ، تسبح معه لو ملاها ومولاه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ، ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ : الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشى والإشراق ، حينما يخلو إلى ربه يرتل تراتيله في تمجيده وذكره ، والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده ، لقد يقف الناس مدهوشين للنبإ ، إذ يخالف مألوفهم ، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين

--> ( 1 ) سورة ص آية : 19 . ( 2 ) سورة الأنبياء آية : 79 . ( 3 ) صحيح البخاري : 9 / 241 ، صحيح مسلم : 2 / 192 .