محمد بيومي مهران
82
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ثم سألوه « فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن اللّه يجزي المتصدقين » ، وكان الصديق عليه السلام دقيق الحس ، رقيق القلب ، لطيف الوجدان ، وإلى هذا الحد لا يطيق أن يرى على إخوته الذل والتذلل ، والمهانة والاستكانة ، وطلب الصدقة والمعونة ، ومن ثم فقد أعلمهم بحقيقة أمره وعفا عنهم ، وقال لهم « اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ، وأتوني بأهلكم أجمعين » ، وأما كيف عرف الصديق أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل ، فذلك مما علمه اللّه ، والمفاجأة تصنع في كثير من الحالات فعل الخارقة ، وما لها لا تكون خارقة ، ويوسف نبيّ رسول ، ويعقوب نبيّ رسول « 1 » . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن صياغة التوراة لدعوة يوسف أباه وأهله أن يأتوا إليه في مصر ، إنما تعطي تأكيدا يكشف عن مطامع يهود في مصر ، تقول التوراة « خذوا أباكم وبيوتكم ( خيامكم ) وتعالوا إلي فأعطيكم خيرات أرض مصر وتأكلون دسم الأرض . . . خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونسائكم واحملوا أباكم وتعالوا ، ولا تحزن عيونكم على أثاثكم لأن خيرات جميع أرض مصر لكم « 2 » » ، كما أن التوراة لم تهمل كذلك أن تؤكد أن رحلة هؤلاء المجهدين الجياع إلى مصر المضيافة ، دائما وأبدا ، إنما كانت للقوت ، ولكنها تؤكد كذلك أنها لتحقيق مؤامرة على الأرض الطيبة التي استضافتهم « 3 » . وعلى أية حال ، فإن يعقوب عليه السلام ، سرعان ما يصل إلى مصر ، بعد أن ارتد بصيرا ، ويصف القرآن الكريم لقاء يوسف بأبيه وإخوته في قول اللّه تعالى : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 2026 - 2027 ، تفسير الفخر الرازي 18 / 201 . ( 2 ) تكوين 45 / 18 - 20 . ( 3 ) تكوين 46 / 1 - 4 .