محمد بيومي مهران

79

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

رحل أخيه ، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش ، قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر وعاء إلا أستغفر اللّه مما قذفهم به ، حتى بقي أخوه ، وهو أصغرهم ، فقال : ما أظن هذا أخذ شيئا ، فقالوا واللّه لا نتركك حتى تنظر في رحله ، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا ، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه ، فلما أخرجها منه نكس الأخوة رؤوسهم من الحياء وأقبلوا عليه يلومونه ويقولون له : فضحتنا وسوّدت وجوهنا يا ابن راحيل . وفي رواية لابن الأثير قالوا : يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاء ، فقال بنيامين : بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء ، وزاد الطبري : ذهبت بأخي فأهلكتموه في البرية ، وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم ، فقالوا : لا تذكرا الدراهم فتؤخذ بها . ثم صاح الأخوة ، وقد حرك الحرج الذي يلاقونه الآن كوامن حقدهم على بنيامين ، وعلى يوسف قبله ، فإذا هم ينتصلون من نقيصة السرقة ، وينفونها عنهم ويلقونها على أبناء هذا الفرع من أبناء يعقوب ( أبناء راحيل ) قالوا : « إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل » ، وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلانية وحكايات وأساطير ، فمن قائل إنه كان سرق صنما لجده أبي أمه فكسره فعيروه بذلك ، ومن قائل كان بنو يعقوب على طعام ، إذ نظر يوسف إلى عرق ( وهو العظم أكل لحمه ) فخبأه فعيروه بذلك ، إلى غير ذلك من روايات لا سند لها ، وكأن أخوة يوسف لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف ، وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعا للتهمة التي تحرجهم ، وتبرءوا من يوسف وأخيه السارق ، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه ، وعلى أية حال ، فلقد أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير النسفي 2 / 232 ، تفسير الظلال 4 / 2022 ، صفوة التفاسير 2 / 62 ، تاريخ الطبري 1 / 354 - 355 ، الكامل لابن الأثير 1 / 85 ، مختصر تفسير ابن كثير 2 / 258 ، البداية والنهاية 1 / 213 .