محمد بيومي مهران

57

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وسلوى « 1 » ، ذلك أن القوم من الهكسوس سرعان ما قذفوا بالصديق إلى السجن ، رغم ما رأوا من آيات براءته ، كقد القميص وقطع الأيدي وشهادة الصبي وغير ذلك ، مدة لم يحددوا زمنها ، لأن الهدف من ذلك إنما كان أن ينسى الناس قصته مع امرأة العزيز ، هذه القصة التي لاكتها الألسن بين أوساط الناس . ومع ذلك ، فإن الصديق عليه السلام ، إنما يتقبل السجن صابرا محتسبا ، ورغم أنه كان في سجنه غريبا وحيدا بيد أنه كان دائما يسبح لمن أحيا الفؤاد بنوره ، فإذا به يستشعر رحابة في وجدانه وسعت الكون كله ، وسمت روحه لتتصل بروح الوجود ، وإذا به يأنس بربه ، ويحس تعاطفا مع كل من حوله وما حوله ، وإذا بقلبه ينفتح للبشرية جمعاء ، حتى الذين ظلموه لم يحقد عليهم ، كانت إرادته أن يتقي اللّه حق تقاته ، ونيته أن يخلص للّه ، وعزمه أن يصل حبله بحبل اللّه ، وقصده أن يهب نفسه للّه ، وأن يسير في سبيل اللّه فجزاه اللّه الجزاء الأوفى ، فعلمه من علمه ، واللّه بكل شيء عليم « 2 » . وكان ملك مصر من الهكسوس الغزاة قد أدخل معه صاحب طعامه وصاحب شرابه بعد أن اتهمهما بأنهما تآمرا عليه ودسا له السم في الطعام ، فراح الصديق يدعوهما إلى اللّه ويذهب عنهما حزنهما ، ويبذل لهما ما وسعه البذل لتطمئن نفوسهما ، ويرى السجناء في مسلكه الطاهر ما يجذبهم إليه ، فيطلبون إليه تفسير الرؤيا وتأويل الأحلام « 3 » ، ويكاد القرآن الكريم والعهد

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 1987 . ( 2 ) عبد الحميد جودة السحار : بنو إسماعيل - القاهرة 1966 ص 56 - 58 . ( 3 ) هناك بحوث كثيرة لعلماء النفس في الأحلام ، فمن قائل إنها صورة من اللا شعور النهائي ، أو هي صورة من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي ، ومن قائل إنها تعويضية ، ومن قائل إنها تقوم بوظيفة لإعداد الحياة ، إذ أن الأمر كله لا يعدو أن القوم يحلمون ، لأنهم يلتمسون في الحلم حلولا لا يسيرون عليها في نشاطهم المقبل ( إسحاق -