محمد بيومي مهران

45

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الحقد الفائر عن سبك الكذبة ، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم ، ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون ، يخشون أن لا تؤاتيهم الفرصة مرة أخرى ، كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلا على التسرع ، وقد كان أبوهم يحذرهم فيها أمس وهم ينفونها ، ويكادون يتهكمون بها ، فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم منه أبوهم أمس ، وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه في غير إتقان ، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب « 1 » ، الأمر الذي جعل يعقوب لا يصدقهم ، ولهذا كان يدعوهم دائما إلى أن يتقصوا آثار أخيهم ، وقد وقعوا في حالة « التبرير » ، كما يفعل المذنب ، إذ يعمد إلى تفسير سلوكه ليبيّن لنفسه وللناس أن لسلوكه هذا أسبابا معقولة « 2 » ، فهم يقولون يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ « 3 » . وعلى أية حال ، فلقد كان أخوة يوسف قد أجمعوا أمرهم على أن

--> - وأبي السعود والخازن ، نهم ذبحوا سخلة ولطخوا القميص بدمها ، وزل عنهم أن يمزقوا القميص ، فلما سمع يعقوب بخبر يوسف صاح بأعلى صوته ، وقال : أين القميص وأخذوه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : تاللّه ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ، أكله ولم يمزق عليه قميصه ، وفي رواية ثالثة في تفسير الخازن أنهم أتوا بذئب وقالوا ليعقوب : هذا أكل ابنك ، فقال الذئب حين سأله ، وقد أنطقه اللّه ، واللّه ما أكلت وما رأيت ولدك قط ، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء ، فقال يعقوب كيف وقعت في أرض كنعان ، قال : أتيت لصلة الرحم فأخذوني وأتوا بي إليك فأطلقه يعقوب ( انظر : تفسير الطبري 12 / 164 ، تفسير أبي السعود 4 / 260 ، تفسير الخازن 3 / 269 ، تفسير النسفي 2 / 214 - 215 ، صفوة التفاسير 2 / 44 ) . ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 1975 - 1976 . ( 2 ) التهامي نقرة : المرجع السابق ص 516 - 517 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 17 .