محمد بيومي مهران
443
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
المتصلين بفرعون ، يخبره بالأمر ، ويشير عليه بالخروج من مصر ، قال تعالى : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ « 1 » ، ومنها ( رابعا ) أن القرآن قد انفرد ، من دون التوراة ، بالإشارة إلى ذلك الجدل الذي شق واستطال ، ذكّر فيه فرعون موسى عليه السلام بتربيته في القصر الملكي ، وكيف أنه عاش بينهم من عمره سنين عددا ، وكيف فعل فعلته تلك ، يعني قتل موسى لمصري ثم فراره إلى مدين قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ « 2 » . ومنها ( خامسا ) أن القرآن الكريم انفرد من دون التوراة بالإشارات مرات ، وفي وضع تام ، إلى ألوهية الفرعون المزعومة ، والتي كانت موضع جدل شديد بين النبي الكريم والملك الفرعون ، بل هي الصخرة التي تحطمت عليها كل الآمال في أن يؤمن فرعون بموسى ودعوته ، ويتخلى عن مزاعمه الكذوب ، ويؤمن باللّه رب العالمين ، ولعل مما يزيد الأمر أهمية أننا نكاد لا نعرف دعوة من دعوات الأنبياء الكرام البررة ، يتعرض صاحبها ، كما تعرض موسى ، لزعم كذوب ممن أرسل إليه ، أنه إله للناس ، بل إن الفرعون إنما يهدد النبي الكريم نفسه : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ، ثم يعلن للناس عامة في مصر ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ، وعندما يتقدم له موسى بآية كبرى على نبوته ، فما كان منه إلا أن يرفض الدعوة كلها ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 3 » ، ومن عجب أن التوراة تعكس الأمر ، فتجعل موسى إلها لفرعون ، وهارون نبيا لموسى : « فقال الرب لموسى أنظر : أنا جعلتك إلها لفرعون ، وهارون
--> ( 1 ) سورة القصص : آية 20 . ( 2 ) سورة الشعراء : آية 18 - 19 . ( 3 ) سورة الشعراء : آية 29 ، سورة القصص : آية 38 ، سورة النازعات : آية 22 - 24 .