محمد بيومي مهران

426

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ، وما كان في مقدرة لسان بشر أن يصف خلقا يصنع على عين اللّه ، إنها لمنزلة ، وإنها لكرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية الإلهية ، فكيف بمن يصنع صنعا على عين اللّه ، إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه ، ثم يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي خالصا مستخلصا يمحّضا لي ولرسالتي ودعوتي ، ليس بك شيء من هذه الدنيا ولا لهذه الدنيا ، إنما أنت للمهمة التي صنعتك على عيني لها ، واصطنعتك لتؤديها ، فما لك في نفسك شيء ، وما لأهلك منك شيء ، وما لأحد فيك شيء ، فامض لما صنعتك له « 1 » ، روى البخاري عن تفسير هذه الآية عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : التقى آدم وموسى ، فقال موسى : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، فقال آدم : وأنت الذي اصطفاك اللّه برسالته ، واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة ، قال : نعم ، قال : فوجدته مكتوبا علي قبل أن يخلقني ، قال : نعم ، فحجج آدم موسى » « 2 » . ثم إن موسى عليه السلام ، هو الذي كلمه اللّه ، ومن ثم فقد اشتهر بأنه كليم اللّه ، قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، يعني موسى ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم « 3 » هذا وكان من وجاهة موسى عليه السلام أن شفع في أخيه عند اللّه ، وسأله أن يكون معه وزيرا ، وذلك في قول اللّه تعالى : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ، وقول اللّه تعالى : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ، فأجاب اللّه دعاءه فقال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ، ولهذا قال بعض السلف : ما

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 2335 - 2336 . ( 2 ) ابن كثير : مختصر التفسير 2 / 482 . ( 3 ) نفس المرجع السابق 1 / 226 .