محمد بيومي مهران
413
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
من مصادر الشرق الأدنى القديم بوضوحها وكثرة آثارها - كان من المنتظر أن تمدنا هذه المصادر بمعلومات عن « موسى » ، هذه المصادر - في غالبيتها - إنما كتبت بأمر من الملوك ، أو بوحي منهم ، فإذا ما تذكرنا أن الملك كان في العقيدة المصرية القديمة إلها ، أكثر منه بشرا ، كان من الطبيعي ألا يستسيغ المصريون أن يهزم الملك في حرب خاض غمارها ، ولهذا فالنصر كاد أن يكون حليفه فيها ، وقد تكون الحقيقة غير ذلك « 1 » . ومن المعروف أن قصة موسى في مصر - كما جاءت في الكتب المقدسة - إنما انتهت بغرق الفرعون وجنوده في البحر ، ونجاة موسى ومن آمن معه بالواحد القهار ، وليس من المقبول - طبقا للعقيدة الملكية الإلهية المصرية القديمة - أن تسجل النصوص المصرية غرق الإله الفرعون ، ونجاة عبيده العبرانيين ، ومن هنا كان من الصعب العثور على اسم موسى في النصوص المصرية القديمة حتى الآن ، رغم ضخامة التركة الأثرية التي خلفتها لنا مصر الفرعونية . وانطلاقا من هذا كله ، ورغم أن الوجود التاريخي لموسى ، عليه السلام ، إنما يفتقر إلى الدليل المادي التاريخي ، خارج الكتب المقدسة ، وتراث اليهود ، فإن الغالبية العظمى من المؤرخين يعتقدون أن موسى عليه السلام له وجود تاريخي ، وأنه عاش في مصر حينا من الدهر ، وأن خروج الإسرائيليين من أرض الكنانة تم تحت قيادته ، وأن ذلك كله - فيما أرى - ، إنما هو من حقائق التاريخ التي لا يرقى إليها الشك - بحال من الأحوال - إيمانا منا بما جاء في الكتب السماوية ، من ناحية ، ولأن تاريخ إسرائيل الفعلي - والذي يبدأ حقيقة بحادث الخروج من مصر - لا يمكن أن يفهم إلا إذا اعترفنا بوجود كليم اللّه ، موسى عليه السلام .
--> ( 1 ) محمد بيومي مهران : الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة ، الإسكندرية 1966 ص 3 ( رسالة ماجستير ) .