محمد بيومي مهران

409

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ولكن مؤلفي التوراة حرصوا مع ذلك على الاستنقاص من مكانته - إعلاء لشأن داود وبيت داود - في أمور أشد ما تكون التصاقا بالعقيدة التوحيدية ، كما عند الأنبياء المتأخرين ، غمزا ولمزا في سفر الخروج « 1 » ، فكأن موسى لم يختن شأن أي أقلف ، وأن قد ظل كذلك ، مخالفا تعاليم الرب كما أنزلت على إبراهيم ، من حيث السمة الدالة على العهد الأبدي الموثق « 2 » ، بل متحديا ما دفع به الرب مباشرة « 3 » ، فكأن نبي اللّه ، حامل رسالته إلى شعب بني إسرائيل ، إنما ناكث لعهد الرب « 4 » . ثم صراحة ودون مواربة ، إذ تعزى إليه شوائب من وثنية ، فهو صاحب « حية النحاس » « 5 » « نحثتان » صنعها بيديه ورفعها أمام القوم على سارية « 6 » ، هي من أسباب غواية بني إسرائيل ، يقدمون لها القرابين متعبدين ، فيسحقها

--> ( 1 ) خروج 4 : 24 - 26 . ( 2 ) تكوين 17 : 10 - 14 . ( 3 ) خروج 12 : 48 . ( 4 ) حسين ذو الفقار : المرجع السابق ص 6 . ( 5 ) يرى « برستد » أن موسى كان يتمسك ببعض الذكريات عن التماثيل الدينية المصرية ، فقد كان يحمل عصا سحرية عظيمة ، في صورة « ثعبان » تسكن فيها قوة « يهوه » ، كما كان ينصب ثعبانا من النحاس البراق ليشفي به الناس ، وكان هذا الثعبان أحد الثعابين المقدسة العديدة في مصر ، وقد بقيت صورة ذلك الإله المصري القديم عند العبرانيين إلى ما بعد استيطانهم فلسطين بزمن طويل ، واستمروا في إطلاق البخور له مدة خمسة قرون بعد عهد « موسى » ولم يبعد من البيت المقدس إلا في حكم ملك يهوذا حزقيا ، وليس من شك في أن برستد يخطئ في كثير مما ذكره ( أنظر : ملوك ثان 18 : 4 ) ، J . H . Breasted , The Dawn of Conscience , P . , 354 . ( 6 ) يرى الدكتور هاني رزق : معبرا عن وجهة النظر المسيحية أن هذا الحدث إنما كان رمزا لصلب المسيح ، فكما رفع موسى الحية لكي يحيا كل من ينظر إليها ، هكذا رفع يسوع المسيح على الصليب لكي يحيا كل من يؤمن به ( هاني رزق : يسوع المسيح في ناسوته وألوهيته ، القاهرة 1971 ص 152 - 153 ) .