محمد بيومي مهران

370

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

فكنا في أعيننا كالجراد ، وهكذا كنا في أعينهم » « 1 » ، وأما الفريق الآخر ، ويضم رجلين ، كالب بن يقنة ويشوع بن نون ، فقد عارض هذا الاتجاه الجبان ، بل إن كالب ليقول : « إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون » « 2 » . وهنا يثور بنو إسرائيل على موسى وهارون ، ومع ذلك فإن موسى إنما يبدأ يحرضهم على القتال ، ولكنهم مع كثرتهم ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى « 3 » ، كانوا يخافون الحرب ويهابون القتال ، إذ تمكنت منهم المذلة والصغار ، فصاحوا بموسى وهارون قائلين : « ليتنا متنا في أرض مصر ، أو ليتنا متنا في هذا القفر ، ولما ذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف ، تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة » « 4 » ، بل وقد ذهب بهم التمرد ، طبقا لرواية التوراة ، إلى حد الثورة على موسى شخصيا ، والمناداة بخلع رئاسته ، وقيام سلطة جديدة تعود بهم إلى مصر ، « أليس خير لنا أن نرجع إلى مصر ، فقال بعضهم لبعض نقيم رئيسا ونرجع إلى مصر » « 5 » . ويصور القرآن الكريم هذا الحادث تصويرا صادقا ، الصدق كل الصدق ، مبينا أن صفة الجبن عند الإسرائيليين ، ليست صفة عرضية تزول بزوال أسبابها ، وإنما هي جوهر مكوّن للشخصية الإسرائيلية ، يتناسق مع بقية الصفات الجوهرية الأخرى ، لأن القرآن الكريم إنما يصفهم بالجبن ، وبين ظهرانيهم نبيّهم الكريم يحرضهم على القتال للدخول إلى أرض كنعان ، والناس حين يكون بينهم نبيّهم يكونون أكثر تشوقا للاستشهاد تحت

--> ( 1 ) عدد 13 / 31 - 33 . ( 2 ) عدد 13 / 30 . ( 3 ) سورة الحشر : آية 14 . ( 4 ) عدد 14 / 1 - 4 . ( 5 ) عدد 14 / 3 - 4 ، وانظر : صفوة التفاسير 1 / 336 ، التسهيل 1 / 173 .