محمد بيومي مهران
364
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
أحياهم ، فقاموا وعاشوا ، رجلا رجلا ، ينظر بعضهم إلى بعض ، كيف يحيون ، وذلك قول اللّه تعالى : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ويقول ابن كثير : إن أهل الكتاب غلطوا في دعواهم أن هؤلاء رأوا اللّه عز وجل ، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك فمنع منه ، فكيف يناله هؤلاء السبعون « 1 » ، وهو يشير في ذلك إلى قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ، ومن هنا كما يقول النسفي في التفسير ، تعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية ، لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت ، قلنا ( أي النسفي ) إنما عوقبوا بكفرهم ، لأن قولهم : إنك رأيت اللّه ، فلن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة كفر منهم ، ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته ، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ، ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم ، ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد ، بل سؤال تعنت وعناد . ثم يقول الإمام النسفي في تفسير آية الأعراف ( 143 ) قالَ رَبِّ أَرِنِي
--> ( 1 ) تقول التوراة إن اللّه أمر موسى أن يصعد إليه هو وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ، وأن يسجدوا للرب من بعيد ، ولا يقترب إلا موسى ، ثم صعدوا « ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل ، فرأوا اللّه وأكلوا وشربوا » ( خروج 24 / 1 - 11 ) ومن عجب أن التوراة نفسها ، وفي نفس سفر الخروج تقول إن موسى طلب أن يرى اللّه ، فقال له : « لا تقدر أن ترى وجهي ، لأن الإنسان لا يراني ويعيش » ، ثم أمره أن يقف على صخرة ، وأن الرب حين يجتاز الصخرة سيضع موسى في نقرة من الصخرة ويستره بيده حتى يجتاز « ثم أرفع يدي فتنظر ورائي ، وأما وجهي فلا يرى » ( خروج 33 / 20 - 23 ) ، وانظر عن هذا التناقض في روايات التوراة وغيره ( محمد بيومي مهران : إسرائيل 3 / 224 - 252 ) .