محمد بيومي مهران
35
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
بقيت الإشارة هنا إلى أن النبوة فضل يسبغه اللّه على من يشاء من عباده ، وهبة ربانية يمنحها اللّه لمن يريد من خلقه ، وهي لا تدرك بالجد والتعب ، ولا تنال بكثرة الطاعة والعبادة ، ولا يتوسل إليها بسبب ولا نسب ، وإنما هي بمحض الفضل الإلهي ، فاللّه يختص برحمته من يشاء ، وهي تأتي إلى النبي من تلقاء نفسها ، وعلى غير توقع منه ، فهي إذن اصطفاء واختيار من اللّه سبحانه وتعالى للمصطفين الأخيار من عباده « 1 » ، وصدق اللّه العظيم حيث يقول : « اللّه أعلم حيث يجعل رسالته » « 2 » . ومن ثم فإن اللّه سبحانه وتعالى إنما يختص بهذه الرحمة العظيمة ، والمنقبة الكريمة ، من كان أهلا لها ، بما أهله ، جل شأنه ، من سلامة الفطرة ، وعلو الهمة ، وزكاة النفس ، وطهارة القلب ، وحب الخير والحق ، وكان أذكياء العرب في الجاهلية ، على شركهم باللّه تعالى ، يعلمون أن الصادقين محبي الحق ، وفاعلي الخير من الفضلاء ، أهل لكرامته تعالى وعنايته ، كما يؤخذ من استنباط أم المؤمنين خديجة في حديث أم المؤمنين عائشة ، رضي اللّه عنهما ، في بدء الوحي ، فإنه ( ص ) لما قال لخديجة : « لقد خشيت على نفسي » ، قالت له : « كلا فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير المنار 8 / 33 - 34 ، محمد علي الصابوني : النبوة والأنبياء - بيروت 1980 ص 8 . ( 2 ) سورة الأنعام : آية 124 ، وانظر : تفسير روح المعاني 8 / 21 - 23 ، تفسير المنار 8 / 32 - 35 ، تفسير ابن كثير 3 / 323 - 326 . ( 3 ) صحيح مسلم 1 / 379 - 380 ، وانظر : ابن كثير : السيرة النبوية 1 / 394 - 395 ، تفسير المنار 8 / 34 ، عبد الحليم محمود : المرجع السابق ص 354 .