محمد بيومي مهران
342
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
أن كانوا يسامون الخسف في ظل الوثنية الفرعونية عند فرعون وملئه ، ومنذ أن أنقذهم نبيّهم وزعيمهم موسى عليه السلام باسم اللّه الواحد رب العالمين الذي أهلك عدوهم ، وشق لهم البحر ، وأنجاهم من العذاب الوحشي الذي كانوا يسامون ، إنهم خارجون للتو واللحظة من مصر ووثنيتها ، ولكن ها هم أولاء ما أن يجاوزوا البحر حتى تقع أبصارهم على قوم وثنيين عاكفين على أصنام لهم ( للمعبودة حاتور في هيئة بقرة أو غيرها من الأشكال ) مستغرقين في طقوسهم الوثنية ، وإذا هم يطلبون إلى موسى ، النبي الرسول ، الذي أخرجهم من مصر باسم الإسلام والتوحيد ، أن يتخذ لهم وثنا يعبدونه من جديد ، ومن ثم فإن موسى يغضب لربه أن يشرك به قومه قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ، ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى على ربه والغضب له ، والتعجب لنسيان قومه لنعمة اللّه تعالى عليهم ، وهي حاضرة ظاهرة ، قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ . والتفضيل على العالمين يجب أن يكون واضحا أنه كان في زمانهم فحسب ، كما يجمع المفسرون ، ذلك لأن لكل زمان عالما ، ويجب الحمل على ذلك ، لأن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أفضل منهم لقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، وقول سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على اللّه » ( رواه أصحاب السنن ) ، وعلى أي حال ، فإن تفضيل بني إسرائيل في زمانهم إنما تتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين ، وليس وراء ذلك فضل ولا منة ، فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة ، فكيف بعد هذا يطلبون إلى نبيّهم أن يطلب لهم إلها غير اللّه ، وهم في نعمته وفضله يتقلبون « 1 » .
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 3 / 1365 - 1367 ، مختصر تفسير ابن كثير 1 / 62 ، تفسير النسفي 2 / 74 .