محمد بيومي مهران

338

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

يكادوا يمضون مع موسى عليه السلام ، بعد خروجهم من البحر ، ونجاتهم من آل فرعون ، حتى رأوا قوما يعبدون أصناما لهم ، فنسوا كل ما كانوا يذكرونه من آيات اللّه لموسى ونجاتهم معه وقالوا ما حكاه القرآن في قوله تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ، إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » ، و « الفاء » في قوله تعالى : فَأَتَوْا تفيد ، كما هو معروف ، الترتيب والتعقيب ، ومعنى ذلك أنه لم يمضي وقت بعد خروجهم من البحر ونجاتهم من الهلاك ، حتى عادوا إلى الوثنية التي ألفوها ، وألفوا الذل معها ، وهذا يدل على أن الإيمان لم يخالط بشاشة قلوبهم ، ولم يتمكن من ضمائرهم ومشاعرهم ، ولم يثمر فيهم الثمرة الطيبة لكل شجرة طيبة ، وإنما كان إيمانهم بموسى إيمانا بإمامته وزعامته ، لا إيمانا باللّه الذي خلقه وسواه « 2 » . وليس هناك من ريب في أن بني إسرائيل باتخاذهم العجل من بعد موسى ، كما سنرى ، وبمطالبتهم موسى أن يتخذ لهم إلها ، كما لهؤلاء القوم المتعبدين لحاتور آلهة ، إنما كانوا في الحالتين ، لما اعتادوا في مصر من الآلهة الوثنية مرتدين ، وأنهم ربما اتخذوا العجل من حليهم من الذهب فتنة ب « حاتور الذهبية » ، وما كان لها من منزلة في النفوس وقت ذاك ، هذا فضلا تأثروا به من حب المصريين للذهب وصنع تماثيلهم الثمين منه ، وما ندري لعل للّه تعالى حكمة فيما كان من أمره بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ، وأنها « بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين » ، ولقد كان البقر في مصر من أنواع

--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 138 - 139 ، وانظر : تفسير الطبري 13 / 80 - 84 ، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 4 / 215 - 216 ، تفسير القرطبي ص 2709 - 2710 ، تفسير ابن كثير 3 / 464 - 465 ، تفسير المنار 9 / 91 - 99 ، تفسير النسفي 2 / 73 - 74 . ( 2 ) عبد الرحيم فودة : من معاني القرآن ص 193 - 194 .