محمد بيومي مهران

257

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وأما سبب رفضنا للآراء السابقة ، فذلك لأننا نرى في حادث انغلاق البحر لموسى رأيا آخر ، فهو ، فيما نعتقد ونؤمن به الإيمان كل الإيمان ، أنه معجزة موسى الكبرى ، والمعجزة ، فيما نعلم ، قوى إلهية يعجز البشر عن الإتيان بمثلها ، والحصول على نظير لها ، ولا تأتي إلا في مقام التحدي والإعجاز ، وهي ، كغيرها من معجزات الأنبياء ، من عمل اللّه ، ولا فضل لأحد فيها سواه سبحانه وتعالى ، فليس لنبي يد في هذه الخوارق التي بهرت الناس وقهرت الخلق ، وقامت أدلة صادقة على صدق من ظهرت على أيديهم في أنهم مبلغون عن اللّه سبحانه وتعالى ، ومن هنا خاف موسى عليه السلام ، حين تحولت عصاه حية تسعى ، فولّى مدبرا ولم يعقب لشدة خوفه منها ، حتى هدأ اللّه روعه وأمن خوفه ، وعلى هذا الأساس لا يستغرب ولا يستبعد وقوعها ممن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء « 1 » ، فإنه جل شأنه ، كما يقول إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » ، هذا فضلا عن أن المعجزة إنما هي من البراهين العقلية التي تقرر قيومية اللّه الخالق عز شأنه ، وإطلاق قدرته من قيود القوانين والعادات المعلومة في حدود مدارك العقول الإنسانية إلى سنن كونية وقوانين للوجود فوق آفاق تلك العقول ، تحدث على وفقها تلك الأحداث الكونية والأعاجيب الإعجازية ، إذا تطلبها أسبابها ، وحانت مناسبتها ، واللّه سبحانه وتعالى فعال لما يريد لا يسأل عما يفعل « 3 » . ويقول الإمام الفخر الرازي أن انغلاق البحر لموسى معجزة من

--> ( 1 ) أنظر : سورة طه : آية 66 - 69 ، النمل : آية 10 ، القصص : آية 31 - 32 ، عبد الرحيم فودة : من معاني القرآن ص 109 . ( 2 ) سورة يس : آية 82 . ( 3 ) محمد الصادق عرجون : معجزة الأنبياء بين العقل والعلم - الإسكندرية 1955 ص 2 ، ثم أنظر عن المعجزة وشروطها : الإمام القرطبي : الجامع لأحكام القرآن - القاهرة 1969 ص 70 - 72 .