محمد بيومي مهران
211
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وهنا لعلنا نتساءل : ما ذا عن الطوب المحروق الذي جاء في الآية الكريمة على عهد فرعون موسى ، وقد سبق عصره عصر الرومان بما لا يقل عن ألف من الأعوام ؟ يروي الإمام الطبري في تاريخه عن قتادة أن فرعون موسى كان أول من طبخ الآجر ليبني به الصرح ، وروى الإمام النسفي في تفسيره لقوله تعالى : فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ، أي أطبخ لي الآجر وأتخذه ، وإنما لم يقل مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر ، فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة ، ولأنه أفصح وأشبه بكلام الجبابرة ، إذ أمر هامان وزيره بالإبقاء على الطين فنادى باسمه ب « يا » في وسط الكلام ، دليل التعظم والتجبر ، وروى القرطبي عن حبر الأمة وترجمان القرآن ، عبد اللّه بن عباس ، رضي اللّه عنهما ، أن فرعون موسى إنما كان أول من صنع الآجر وبنى به ، وروى عن الإمام السيوطي في تفسيره عن ابن أبي حاتم عن قتادة : كان فرعون أول من طبخ الآجر وصنع له الصرح ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال : فرعون أول من صنع الآجر وبنى به ، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله : « فأوقد لي يا هامان على الطين » قال : أوقد على الطين حتى يكون آجرا ، وقال الإمام البيضاوي : أول من اتخذ الآجر فرعون ، ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة ، مع ما فيه من تعظيم ، ولذا نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام « 1 » ، ومن ثم فأكبر الظن أن المفسرين ، كما بدا لنا من قبل ، قد كانوا يستندون إلى طائفة من الخبر الصحيح كانت بين أيديهم ، وأن اختلط كذلك بما لا قيمة له من الأوهام ، كحديثهم عن أصل فرعون موسى هذا « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير النسفي 3 / 237 ، تفسير الدر المنثور 5 / 129 ، تفسير القرطبي ص 5004 ، تفسير البيضاوي 4 / 128 ، تاريخ الطبري 1 / 405 . ( 2 ) يروي المفسرون عن فرعون موسى حكايات أشبه بالأساطير منها بحقائق التاريخ ، فهو ، فيما -