محمد بيومي مهران

205

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

أودع اللّه في قلبها حب موسى عليها السلام ، والشفقة عليه ، والرحمة به منذ أول لحظة رأته فيها ، وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً « 1 » . وعلى أي حال ، فلقد علم موسى عليه السلام أن فرعون ماض في غلوائه وكبريائه ، كما علم بنو إسرائيل ما ينتظرهم من المحن والبلايا والفتن ، فتملكهم الرعب ، ولم يجدوا في أنفسهم قوة تعينهم على مجرد الصبر والاحتمال ، فقد قال لهم موسى : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، فكان جوابهم مما حكاه القرآن عنهم : أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ، وهو جواب ينم عن عدم الإيمان باللّه والثقة بعونه ونصره ، كما ينم عن شعورهم بهوان قدرهم والعجر عن الصبر « 2 » . ونقرأ في التوراة أن موسى ضرب النهر بعصاه ، فتحول الماء دما ، ومات السمك وأنتن النهر ، وبعد أيام سبعة سلط اللّه عليهم الضفادع حتى اكتظت بها الأرض ، وحتى خيل أن الأرض تتحرك بسببها ، مما جعل فرعون يطلب من موسى أن يسأل ربه أن يرفع عنه هذا البلاء ، وحين أجيب إلى مسئوله عاد ثانية فاشتد قلبه « 3 » ، فسلط اللّه على كل أرض مصر البعوض « 4 » ، فإذا ما تذكرنا أن المصريين كانوا قوما يراعون منتهى الدقة في النظافة ، كما

--> - تحفة الأحوذي 10 / 389 ) وأن امرأة فرعون ستكون زوجة للنبي صلى اللّه عليه وسلم في الجنة ( أنظر : البداية والنهاية 2 / 62 ) . ( 1 ) سورة القصص : آية 9 . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 128 - 129 ، عبد الرحيم مودة : المرجع السابق ص 183 . ( 3 ) خروج 7 / 14 - 22 ، 8 / 1 - 15 ، ف . ب . ماير : حياة موسى - ترجمة القس مرقص داود ص 104 . ( 4 ) استعملت الترجمة العربية والألمانية للتوراة كلمة « البعوض » ، وأما الترجمة الإنجليزية والفرنسية وهامش الكتاب المقدس ، فقد استعملت كلمة « القمل » بدلا من كلمة « البعوض » .