محمد بيومي مهران

200

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وبدهي أن ذلك كله إنما يدل على أن سلطان السحر محدود ، فهو ، وإن كان له حقيقة ، فإن حقيقته لا تتجاوز الأيدي والأرجل من خلاف فرعون ، وقد جاءت هذه الرواية في معظم كتب التفسير ، على أن هناك خلافا في تنفيذ فرعون لوعيده ، فليس في القرآن الكريم نص على أن فرعون أنفذ وعيده ، ولكن الظاهر من سياق القصة أنه صلبهم وعذبهم ، قال ابن عباس وعبيد بن عمير : كانوا من أول النهار سحرة ، فصاروا من آخره شهداء بررة ، ويؤيد هذا قولهم : « ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين » « 1 » ، وأما النص الذي يصور وسائل التعذيب في زمان فرعون فقد ورد في معبد عمدا من بلاد النوبة المصرية ، ويرجع إلى السنة الرابعة من عهد « مرنبتاح » ( حوالي عام 1220 ق . م ) ، ويؤكد أن مرنبتاح هذا ، والذي شاع في الناس أنه فرعون موسى ، إنما قطع من خلاف وصلب ، وقد نشر هذا النص الزميل الفاضل الدكتور أحمد عبد الحميد يوسف « 2 » . وأيا ما كان الأمر ، فلقد كان هذا موقف الذين آمنوا من المصريين ، ملك الحق قلوبهم ، وملأ الإيمان مشاعرهم ، فاستخفوا بتهديد فرعون لهم أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلبهم في جذوع النخل قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ، إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » ، وهنا تتجلى قوة الإيمان ، إذا سكن القلب واطمأنت به

--> - 27 - 28 ، في ظلال القرآن 3 / 1350 ، ابن كثير : مختصر التفسير 2 / 42 ، البداية والنهاية 1 / 258 ، تاريخ الطبري 1 / 409 ، الكامل لابن الأثير 1 / 103 . ( 1 ) تفسير الطبري 13 / 34 ، تفسير البيضاوي 3 / 23 ، تفسير الفخر الرازي 4 / 135 ، تفسير البحر المحيط 4 / 365 ، تفسير النسفي 2 / 70 ، الدر المنثور 3 / 107 ، ابن كثير : مختصر التفسير 2 / 43 ، البداية والنهاية 1 / 258 . ( 2 ) أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص 110 ، وكذا A . A . Joussef , Merenptah's fourth year Text at Amada , ASAE , L VIl , F 273 . p ، 1964 . ( 3 ) سورة الشعراء : آية 50 - 51 ، عبد الرحيم فودة : المرجع السابق ص 179 .