محمد بيومي مهران

196

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

النيل ، أو غيره من أعياد المصريين « 1 » ، ثم تقدموا ممتلئين ثقة بأن لهم النصر والأجر ، قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ، قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ « 2 » ، ومن ثم فقد خيروا موسى فيمن يبدأ قائلين : يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى « 3 » ، ويذهب الإمام الفخر الرازي إلى أن السحرة المصريين قد تواضعوا لموسى عليه السلام فقدموه على أنفسهم ، فقالوا « إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى » ، فلما تواضعوا له ، تواضع هو أيضا فقدمهم على نفسه ، وقال : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ، وهكذا قدم موسى السحرة على نفسه ، رجاء أن يصير ذلك التواضع سببا لقبول الحق ، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب ، ويقول الزمخشري في الكشاف : تخيّرهم إياه أدب حسن راعوه معه ، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاصموا في الجدال ، والمتصارعين قبل أن يأخذوا في الصراع ، وقال القرطبي : تأدبوا مع موسى بقولهم « إما أن تلقي » فكان ذلك سبب إيمانهم . على أن هناك من يذهب إلى أن تخيّرهم لموسى لم يكن من باب الأدب ، وإنما كان كما يقول صاحب البحر المحيط ، من باب الإدلال لما يعلمونه من السحر ، وإيهام الغلبة والثقة بأنفسهم ، وعدم الاكتراث بأمر موسى ، وقد أعطاهم موسى فرصة التقدم ، وثوقا بالحق ، وعلما بأن اللّه تعالى سيبطل سحرهم ، كما حكى اللّه عن موسى ، حيث قال : ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ

--> ( 1 ) أنظر عن الأعياد ( محمد بيومي مهران : الحضارة المصرية - الإسكندرية 1984 ص 112 - 115 ) . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 113 - 114 ، وأنظر : الشعراء : آية 41 - 42 . ( 3 ) سورة طه : آية 65 ، وأنظر : الأعراف : آية 115 ، ثم قارن : يونس : آية 80 ( فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) والشعراء آية 43 ( قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) وفي هاتين الآيتين ( بعكس آيتي الأعراف 115 ، طه 65 ) نرى موسى عليه السلام هو الذي يقدم السحرة ، دونما تخيير منهم له ، على أن يبدءوا بعرض مهاراتهم السحرية .