محمد بيومي مهران

188

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الصغار ، لا مجموعة الشعب الإسرائيلي ، وأن هؤلاء الفتيان كان يخشى من فتنتهم وردهم من أتباع موسى ، خوفا من فرعون وتأثير كبار قومهم ذوي المصالح عند أصحاب السلطان ، والأذلاء الذين يلوذون بكل صاحب سلطة ، وبخاصة من بني إسرائيل ، وقد كان فرعون ذا سلطة ضخمة وجبروت ، كما كان مسرفا في الطغيان لا يقف عند حد ، ولا يتحرج من إجراء قاس « 1 » ، وهكذا يبدو واضحا إلى أي مدى قد أذل الاستعباد قوم موسى ، وأفسد طباعهم ، فأعرضوا عن الحق وأصبحوا لا يملكون من أمر نفسهم شيئا ، فلقي منهم نبيّهم العنت الشديد . وعلى أية حال ، فلقد عجب فرعون ، وهو يرى موسى عليه السلام ، يواجهه بهذه الدعوى الضخمة « إني رسول رب العالمين » ثم يطالبه بهذا الطلب الضخم « أن أرسل معي بني إسرائيل » ، ومن ثم فقد كان بين موسى وفرعون جدل شق واستطال ذكّر فرعون فيه موسى بتربيته في القصر الملكي ، وكيف أحسن سلفه « 2 » مثواه ، ثم كيف ارتكب جريمته تلك ، يعني قتل موسى لمصري ، ثم فر هاربا من مصر كلها ، دون أن يناله من القصاص ما يستحق قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ « 3 » ، وهكذا جمع فرعون كل ما حسبه ردا قاتلا لا يملك معه موسى جوابا ، ولا يستطيع مقاومته ، وبخاصة حكاية القتل ، وما يمكن أن يعقبها من القصاص ، فأجابه موسى عليه السلام قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ « 4 » .

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 3 / 1815 . ( 2 ) قارن : ابن كثير : البداية والنهاية 1 / 250 . ( 3 ) سورة الشعراء : آية 18 - 19 . ( 4 ) سورة الشعراء : آية 20 - 22 .