محمد بيومي مهران
184
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
أن يطغي » ، والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى ، والطغيان أشمل من الأذى ، وفرعون يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما ، وهنا يجيء الرد الحاسم للنبيين الكريمين لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ، ثم يحدد لهما قاعدة رسالتهما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ليشعر منذ اللحظة الأولى بأن هناك إلها هو ربه ، وهو رب الناس ، فليس هو إلها خاصا بموسى وهارون أو ببني إسرائيل « 1 » ، كما كان سائدا في خرافات الوثنية يومذاك أن لكل قوم إلها أو آلهة ، أو كما كان سائدا في بعض العصور من أن فرعون مصر إله يعبد فيها لأنه من نسل الآلهة ، الأمر الذي سنناقشه فيما بعد ، ثم إيضاح لموضوع رسالتهما « فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم » ، ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون ، لاستنقاذ بني إسرائيل ، والعودة بهم إلى عقيدة التوحيد ، وإلى الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يسكنوها إلى أن يفسدوا فيها فيدمرهم تدميرا « 2 » . على أن موسى عليه السلام سرعان ما يتذكر أنه قتل من المصريين نفسا ، ما زال يحمل وزرها في ضميره ، وأنه قد خرج من مصر هاربا من
--> ( 1 ) تطلق التوراة على اللّه ، جل جلاله ، لفظ « يهوه » وأحيانا « إلوهيم » ، وهو في كلتا الحالتين إله بني إسرائيل دون سائر البشر ، وليس رب العالمين ، كما يعتقد المسلمون والمسيحيون ، وقد بدأت فكرة الإله الواحد في التوراة مع إبراهيم ، حيث جعلت الرب الإله ، ربا لإبراهيم ثم إسحاق فيعقوب ثم موسى ، ثم جعلته بعد ذلك إلها لبني إسرائيل جميعا على أيام النبي إشعياء ، ولكنها لم تخرج به من دائرة بني إسرائيل إلى غيرهم من الشعوب ، فقد ظل المعنى المتضمن لمفهوم اللّه تعالى في التوراة على أنه إله إسرائيل في المقام الأول ، وهكذا كانت ديانة يهود في التوراة ديانة أسرة بشرية واحدة هي بنو إسرائيل ( تكوين 12 / 1 - 3 ، 13 / 14 - 18 ، 15 / 18 - 20 ، 26 / 24 ، خروج 3 / 6 ، 6 / 6 - 7 ، يشوع 8 / 3 ، 9 / 18 ، 13 ، صموئيل أول 25 / 33 ، أخبار أيام أول 16 / 36 ، ثم أنظر : محمد بيومي مهران : 4 / 219 ( الباب الأول - الديانة اليهودية ) . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 2336 - 2337 .