محمد بيومي مهران

171

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

فعلم فرعون بذلك ، فاشتد حنقه وعزم على قتل موسى ، فطلبوه « 1 » . ويصبح موسى في المدينة خائفا ويترقب ، ويذهب الأستاذ سيد قطب إلى أن لفظ « يترقب » يصور هيئة القلق الذي يتلفت ويتوجس ، ويتوقع الشر في كل لحظة ، وهي سمة الشخصية الانفعالية تبدوا كذلك في هذا الموقف ، والتعبير يجسم هيئة القلق والخوف بهذا اللفظ ، كما أنه يضخمها بكلمتي « في المدينة » ، فالمدينة عادة موطن الأمن والطمأنينة فإذا كان خائفا يترقب في المدينة ، فأعظم الخوف ما كان في مأمن ومستقر ، وحالة موسى هذه تلهم أنه لم يكن من رجال القصر ، وإلا فما أرخص أن يزهق أحد رجال القصر نفسا في عهود الظلم والطغيان ، وما كان ليخشى شيئا ، فضلا عن أن يصبح خائفا يترقب ، لو أنه كان ما يزال في مكانه من قلب فرعون وقصره « 2 » ، غير أن ابن كثير يذهب إلى أن اللّه تعالى يخبرنا أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا ، أي من فرعون وملئه أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل ، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ، ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة هذا اليوم خائفا يترقب « 3 » ، وهذا ما نميل إليه ونرجحه . وعلى أي حال ، فإن موسى عليه السلام يمر بمن استصرخه بالأمس ، فإذا به يستصرخه ، مرة أخرى ، ضد آخر ، فيؤنبه موسى على مشاكسته وميله إلى الخصام ، ومع ذلك فما أن همّ موسى بنصرته حتى قال : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ، إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ « 4 » .

--> ( 1 ) مختصر ابن كثير 3 / 9 ، تاريخ الطبري 1 / 391 . ( 2 ) في ظلال القرآن 5 / 2682 - 2683 . ( 3 ) ابن كثير : البداية والنهاية 1 / 242 . ( 4 ) سورة القصص : آية 19 .