محمد بيومي مهران
159
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
قرون ، ربما تجاوزت الأربعة ، حتى ينسى الإسرائيليون خلالها دعوة التوحيد ، التي نادى بها الآباء من أنبياء اللّه الكرام ، إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام ، وينغمسون في وثنية المصريين ، ويتعبدون لآلهتهم « 1 » . ومنها ( سابعا ) أن سيرة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ، لا تدل أبدا أنهم كانوا موحدين على أيام الاضطهاد فمن المعروف أنه ما أن كتب اللّه النصر لموسى على فرعون ، ونجح في الخروج بقومه من قبضته ، حتى عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية ، وعبادة الأصنام ، وفي الواقع فإن التراث الديني اليهودي ليزخر بأدلة لا تقبل الشك ، على أن اليهود الذين رافقوا موسى لم يكونوا أكفاء لحمل عبء التوحيد وفلسفته التجريدية الروحية الرفيعة ، ولم يجدوا فيما تقدمه الديانة الجديدة ما يشبع حاجتهم إلى الاعتبارات المادية ، بل إنه لا يفهم من حادث واحد من حوادث رحلة الخروج أن القوم كانوا يؤثرون الفرار حرصا على عقيدة دينية ، فإنهم أسفوا على ما تعودوه من المراسيم الدينية في مصر ، وودوا لو أنهم يعودون إليها ، ويعبدونها مسوخة ممسوخة في الصحراء « 2 » ، ومن ثم فلم يكد بنو إسرائيل يمضون مع موسى عليه السلام ، بعد خروجهم من البحر ، ونجاتهم من آل فرعون ، حتى رأوا قوما يعبدون أصناما لهم ، فنسوا كل ما كانوا يذكرونه من آيات اللّه ، ونجاتهم مع موسى ، وقالوا ما حكاه القرآن في قوله تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ، إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 3 » ، والفاء في قوله تعالى : فَأَتَوْا تفيد ، كما هو معروف ،
--> ( 1 ) خروج 12 / 40 ، حزقيال 20 / 4 - 8 . ( 2 ) عباس العقاد : مطلع النور أو طوالع البعثة المحمدية - القاهرة 1968 ص 107 . ( 3 ) سورة الأعراف : آية 138 - 139 .