محمد بيومي مهران

56

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

في التوراة ، وعلى سبيل المثال ، لا الحصر ، فإن القرآن وحده هو الذي يذكر أن نوحا - عليه السلام - إنما كان رسولا من رب العالمين ، وأنه قد قضى من الوقت - ما شاء اللّه له أن يقضي - في دعوة قومه إلى عبادة اللّه الواحد القهار ، وأن اللّه - جل وعلا - لم يأت بالطوفان إلا بعد أن تحمل النبي الكريم في سبيل دعوته كل صنوف الأذى والاضطهاد ، وإلا بعد أن جرب النبي الكريم كل سبل الإقناع دونما أية نتيجة ، وإلا بعد أن يئس النبي من أن يؤمن به قومه « 1 » ، وإلا بعد أن أوحى إليه « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ « 2 » » ، وهكذا اتبع النبي الكريم كل ما يمكن اتباعه ، تصديقا لقوله تعالى « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 3 » » ، والأمر غير ذلك تماما في التوراة « 4 » . هذا فضلا عن أن القرآن الكريم هو وحده الذي يؤكد - التأكيد كل التأكيد - أن الناجين من الطوفان ، إنما نجوا لأنهم آمنوا بالله العزيز الحكيم ، بل إن القرآن ليقص علينا - من بين ما يقص من أحداث - ما وقع مع ابن النبي الكريم ، وكيف كان من الغارقين « 5 » ، عملا بالمبدأ الإسلامي العظيم ، « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » « 6 » .

--> ( 1 ) سورة نوح : آية 1 - 27 ( 2 ) سورة هود : آية 36 ( 3 ) سورة الإسراء : آية 15 ( 4 ) أنظر مقالنا « قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة » مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - العدد الخامس - الرياض 1975 ص 448 ( 5 ) سورة هود : آية 25 - 48 ( 6 ) سورة فصلت : آية 46