محمد بيومي مهران
50
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ومنها ( ثانيا ) أن النبي نشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب « 1 » ، ولم تكن نشأته بين أهل الكتاب حتى يعلم بالتلقين علمهم ، والفئة القليلة المستضعفة التي وجدت في مكة منهم ، تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة ، وكانت تعد من أجهل سكان المدينة المقدسة وأحطهم مقاما في المجتمع الانساني ، يحترفون بدنيء الحرف ، كخدمة بعض العرب ، أو الاتجار في أشياء حقيرة ، كبيع النبيذ ، وغير ذلك مما يقوم به المستضعفون الذين يقطنون الأحياء المنزوية « 2 » ، ثم إن هؤلاء المطمورين لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب ، ولكن بصفة خاصة - وهنا تتركز حجة القرآن « 3 » كانت لغتهم الأجنبية حاجزا أمام النبي « 4 » ، وفي نفس الوقت كان قوم محمد ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، أميين ، لا يسود فيهم علم من أي طريق كان ، إلا أن يكون علم الفطرة والبيان ، ولم تكن عندهم مدرسة يتعلمون فيها ، ولا علماء يتلقونه عليهم ، لقد كانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب ، والمعرفة في أي باب من أبوابها ، يقول سبحانه وتعالى « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 5 » ، وكانت رحلتا الصيف والشتاء إلى الشام واليمن تجاريتين لا تتصلان بالعلم في أي باب من أبوابه ، ولا منزع من منازعه « 6 » ومنها ( ثالثا ) أنه لم يثبت أنه كان بمكة أو ضواحيها أي مركز ثقافي
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : آية 48 ( 2 ) مؤتمر سورة يوسف 2 / 1310 ، مدخل إلى القرآن الكريم ص 134 ، وكذا Huart وكذا op - cit . P . 131 Masse , L'Islam , Paris , 1937 , P . 21 ( 3 ) سورة النحل : آية 103 ( 4 ) محمد عبد اللّه دراز : المرجع السابق ص 135 ، وكذا Pere Lammens , L'Islam Croyance et Institution , 1926 , P . 28 ( 5 ) سورة الجمعة : آية 2 ( 6 ) محمد أبو زهرة : القرآن ص 363