محمد بيومي مهران
31
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
المستشرقين جميعا بهذه الدقة ، حتى ليقول « سير وليم موير » ، « والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل أربعة عشر قرنا كاملا بنص هذا مبلغ صفائه ودقته » « 1 » . ويعلق الأستاذ أبو زهرة على هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه الشيخان - أبو بكر وعمر - وحمل عبأه زيد بن ثابت ، مع جمع من المهاجرين والأنصار ، بحقيقتين هامتين ، تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل ، وأنه مصون بصيانة اللّه سبحانه وتعالى له ، ومحفوظ بحفظه ، وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته ، أما أولى الحقيقتين ، فهي أن عمل زيد هذا لم يكن كتابة مبتدأة ، ولكنه إعادة لمكتوب ، فقد كتب القرآن كله في عهد النبي ، ( صلى اللّه عليه وسلّم ) وعمل زيد الابتدائي هو البحث عما كتب عليه والتأكد من سلامته ، بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات ، وبحفظ زيد نفسه ، وبالحافظين من الصحابة - وقد كانوا الجم الغفير والعدد الكبير - فما كان لأحد أن يقول إن زيدا كتب من غير أصل مادي قائم ، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي ، وأما الحقيقة الثانية ، فهي أن عمل زيد لم يكن عملا آحاديا ، بل كان عملا جماعيا من مشيخة صحابة رسول اللّه ، ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد ، وإلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه ، واجتمع لزيد من الرقاع والعظام وجريد النخل ورقيق الحجارة ، وكل ما كتب أصحاب رسول اللّه ، وعند ذلك بدأ زيد يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه ، ولا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى اثباتها ، كما أوحيت إلى رسول اللّه ، واستمر الأمر كذلك ، حتى إذا ما أتمّ زيد ما
--> ( 1 ) محمد حسين هيكل : المرجع السابق ص 323 ، وكذا Sir William Muir , The Life of Mohammad and History of Islam , Edinburgh , 1923