محمد بيومي مهران

28

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

فيذهب من القرآن كثير ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن » ، ويتردد الصديق بعض الوقت ، خشية إن يفعل ما لم يفعله رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ثم ما يلبث أن يشرح اللّه صدره لهذا العمل الجليل ، فيأمر باستدعاء زيد بن ثابت ، حيث يكلفه بجمع القرآن ، ويتردد زيد - كما تردد الصديق من قبل - لأنه لا يريد كصحابي أن يقوم بعمل ما لم يقم به النبي أو يأمر به ، ولأنه كمؤمن يتحاشى مثل هذا العمل الخطير خشية أبسط الأخطاء وأتفهها في تنفيذ مهمته ، وأخيرا يشرح اللّه صدره لذلك ، ويتم الأمر بما كان محفوظا في صدور الرجال ، وبما كان يكتب بين يدي رسول اللّه - ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ويحفظ المصحف الشريف عند الصديق ، ثم عند الفاروق عمر ( 13 - 23 ه - 634 - 644 م ) من بعده ، ثم عند أم المؤمنين « حفصة بنت عمر » - رضي اللّه عنهم أجمعين « 1 » . ولعل هدف الفاروق - رضي اللّه عنه وأرضاه - من هذه الطريقة لم يقتصر على حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار ، وفي صورة يسهل الرجوع إليها ، وإنما كان يقصد أيضا إقرار الشكل النهائي لكتاب اللّه الكريم وتوثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة ، واعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاء كبيرة أو صغيرة « 2 » .

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 59 - 60 ، ابن الأثير 3 / 112 ، تفسير الطبري 1 / 59 - 62 ، كتاب المصاحف ص 5 - 10 ، 20 ، فضائل القرآن ص 14 - 16 ، مقدمتان في علوم القرآن ص 17 - 21 وكذا البرهان في علوم القرآن ص 233 - 234 ، 239 ، تفسير القرطبي 1 / 49 - 50 ، محمد حسين هيكل : حياة محمد ص 50 - 51 ، الصديق أبو بكر ص 303 - 312 ، محمد أبو زهرة القرآن ص 30 - 31 ، عبد المنعم ماجد : المرجع السابق ص 251 - 252 وكذا EI , 14 , PP . 1261 - 2 ( 2 ) محمد عبد اللّه دراز : مدخل إلى القرآن الكريم ص 36 ، وانظر : م . ج رستوفدوني : تاريخ القرآن والمصاحف ص 26 - 27 ( مترجم ) .