محمد بيومي مهران

212

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وكأنه يكسو البيت الحرام ، وتتكرر الرؤيا ثلاث ليال ، ويفعل « تبع » ما أمر به في منامه ، وهكذا كان الرجل - فيما يزعم الأخباريون - أول من كسا البيت ثم يعود إلى اليمن « 1 » . ولعل سائلا يتساءل : أكان تبع يقول الشعر بلغة قريش - كما يقدمه لنا الأخباريون - ونحن نعرف أنها تختلف كثيرا عن لغة حمير ، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الأخرى من العربية ، التي جعلوها مقصورة على العربية التي نزل بها القرآن الكريم ، وحتى قال بعضهم « ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا » « 2 » . ثم كيف فات هؤلاء الرواة ان يجعلوا « تبعا » هذا ، ابن عم المصطفى - صلوات اللّه وسلامه عليه - وهم الذين ملئوا صفحات كتبهم بأن العرب ليسوا جنسا واحدا ، وإنما هم عرب عاربة - وهم القحطانيون ومنهم تبع - وعرب مستعربة - وهم العدنانيون ، ومنهم رسول اللّه ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) . ثم من أين عرف الحبران اليهوديان أن هناك نبيا سوف يبعث من قريش ، ومبلغ علمي أن التوراة لم يرد فيها نص يفيد ذلك أبدا ، صحيح أن هناك نصوصا تؤكد مبعث نبي من العرب ، ولكن صحيح كذلك أنها لم تشر إلى أنه من قريش ، وأما هذه النصوص ، فقد جاءت في سفر التثنية ( 18 : 15 - 19 ) . وفي سفر أشعياء ( 42 : 10 - 13 ) ، يقول النص الأول

--> ( 1 ) ابن كثير 2 / 164 - 167 ، تفسير الخازن 4 / 115 ، 175 ، اللسان 8 / 31 ، اليعقوبي 1 / 198 ، ابن خلدون 2 / 52 - 53 ، العقد الثمين 1 / 71 ، الأزرقي 1 / 249 - 250 ، قارن : تفسير الطبري 25 / 128 - 149 ، تفسير البيضاوي 2 / 376 - 377 ، تفسير القرطبي 16 / 145 - 146 ، المعارف لابن قتيبة ص 275 - 276 ( 2 ) محمد بن سلام الجمحي : طبقات فحول الشعراء ص 4 وما بعدها