محمد بيومي مهران

208

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

كبيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت نجران ، وغيرها من البيوت الحرام « 1 » ، فإن واحدا من هذه البيوت لم يجتمع له ما اجتمع لبيت مكة ، ذلك لأن مكة كانت ملتقى القوافل بين الجنوب والشمال وبين الشرق والغرب ، وكانت لازمة لمن يحمل تجارة اليمن إلى الشام ، ولمن يعود من الشام بتجارة يحملها إلى شواطئ الجنوب ، وكانت القبائل تلوذ منها بمثابة مطروقة تتردد عليها ، ولم تكن فيها سيادة قاهرة على تلك القبائل في باديتها أو في رحلاتها ، فليست في مكة دولة كدولة التبايعة في اليمن ، أو المناذرة في الحيرة ، أو الغساسنة في الشام ، وليس من وراء أصحاب الرئاسة فيها سلطان كسلطان دولة الروم أو دولة فارس أو دولة الحبشة وراء الامارات العربية المتفرقة على الشواطئ أو بين بوادي الصحراء ، فمكة إذن مثابة عبادة وتجارة ، وليست حوزة ملك يستبد بها صاحب العرش ولا يبالي من عداه ، وهي إن لم تكن كذلك من أقدم أزمانها ، فقد صارت إلى هذه الحالة بعد عهد جرهم والعماليق ، الذين روى عنهم الرواة أنهم كانوا يشرون كل ما دخلها من تجارة « 2 » . أضف إلى ذلك أن مكة كانت عربية لجميع العرب ، ولم تكن كسرية أو قيصرية ، ولا تبعية أو نجاشية ، كما عساها كانت تكون لو استقرت على مشارف الشام أو عند تخوم الجنوب ، ولهذا تمت لها الخصائص التي كانت لازمة لمن يقصدونها ويجدون فيها من يبادلهم ويبادلونه على حكم المنفعة المشتركة ، لا على حكم القهر والإكراه « 3 » .

--> ( 1 ) ياقوت 1 / 238 ، 3 / 427 ، 4 / 394 - 395 ، 5 / 268 - 269 ، بلوغ الأرب 1 / 346 - 347 ، 2 / 202 ، 207 - 209 ، 212 ، ابن حزم ، جمهرة أنساب العرب ص 493 ، كتاب الأصنام ص 38 ، البكري 2 / 603 ، الروض الآنف 1 / 66 ، تاج العروس 3 / 397 ، ابن حبيب : كتاب المحير ص 317 ( 2 ) العقاد : مطلع النور ص 112 - 113 ( 3 ) نفس المرجع السابق ص 113