كريم نجيب الأغر
96
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
العرب « 1 » : « والترائب : موضع القلادة من الصدر ، وقيل : ما بين الترقوة إلى الثندوة ، وقيل : الترائب عظام الصدر ، وقيل : ما ولي الترقوتين ، وقيل ما بين الثديين والترقوتين . . . وقيل : الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر وأربع من يسرته . . . » ، وإذا اعتبرنا قاعدة أن دلالة اللفظ يقيّدها السياق والقرائن التي تأتي فيه ، فهمنا أن قرائن النص في هذا المقام - مقام الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة - تعتمد مباشرة على المعطيات العلمية التي تثبت هذه الصفة طبقا للحقيقة الموجودة في جسم الإنسان ، فيصدق بذلك أن يصرف إلى الأضلاع التي تكوّن عظام الصدر - كما سنرى فيما بعد - ، ولفظ الصُّلْبِ بالمثل ، اسم صفة ، لا اسم ذات ، يدل بأصل اشتقاقه على قائم متين ، يصلب عليه الشيء ويشد محمولا عليه ، فيصدق على العمود الفقري الذي يحمل معظم بدن الإنسان القائم ، غير أن المفسّرين لم يختلفوا حوله ، وذلك لأن الأعضاء النظيرة في الجسم كثيرة كما رأينا ، أما الأعضاء المتينة التي تحمل أعضاء أخرى فهي جد قليلة في الجسم ، وهو كما جاء في لسان العرب « 2 » : « والصّلب : عظم من لدن الكاهل إلى العجب . . . » . وتحدثنا الآيتان التاليتان خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) أن الماء يخرج من مكان ما واقع ما بين الصلب والترائب « 3 » وذلك لكل من المرأة
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « ترب » - ( ج 2 / ص : 24 - 25 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « صلب » - ( ج 7 / ص : 379 ) . ( 3 ) لقد أعاد بعض العلماء فعل يَخْرُجُ الذي جاء في النص القرآني : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] للإنسان ، فتصبح الآية عندئذ تعني : فلينظر الإنسان ممّ خلق ، خلق من ماء دافق ، يخرج الإنسان من بين الصلب والترائب . ونقول : إن الآية في هذه الحال لا تفيد شيئا جديدا ، بل ولا تشير إلى حكمة بالغة ، فكلّنا يعلم أن الحميل - أي الجنين بالمعنى المتداول - يخرج من الرحم الذي يقع في وسط الجسم ، وبذلك يخرج عبر محور الجسم الذي يقع بين الصلب والترائب ، وهذا يتنافى مع بلاغة القرآن . فالآية تعلن بوضوح من خلال فعل فَلْيَنْظُرِ أن هناك أمرا مهمّا يجب النظر إليه - ألا وهو إعجاز علمي - ، أكثر من مجرد الإخبار عن خبر مألوف لدى الجميع ، كذلك فإن سياق النص القرآني : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) . . . [ الطارق : 7 - 12 ] يشير إلى عدّة إعجازات علمية مثل : أن السماء لها خاصية الرجع ، أي أنها ترجع عدة أشياء إلى الأرض ، كإرجاع مياه البحور - التي تتبخر ومن ثمّ تتكثّف - إلى الأرض من خلال سقوط المطر ، وإرجاع الأشعّة الضوئية الضارة إلى الفضاء الخارجي ، ومثل : أن الأرض ليست قطعة واحدة متواصلة ، بل يوجد فيها صدوع عدّة ، تجعلها مؤلفة من ( لوحات PLATES ) عدّة ، تتحرك وتمور كما تخبرنا الآية : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ [ الملك : 16 ] .